العروس التي كانت نادلة

لمحة نيوز

لقد قضيت سنوات أقدم المشروبات والابتسامات في حفلات زفاف تبرق وكأنها قصص خيالية عقود من اللؤلؤ كؤوس كريستالية وأناس يرفعون نخب الأبد.
لكن في تلك الليلة انتهى الأبد بالنسبة لي.
الأمر بدأ بمكالمة هاتفية.
ميا أرجوك أنا مريضة. ممكن تغطي مكاني الشفت بتاع الليلة هو فرح خاص وصغير فلوس سهلة!
ترددت. كنت قد وعدت نفسي بأمسية هادئة لكن شيئا ما سمه القدر أو سخرية القدر القاسېة جعلني أوافق.
لو كنت أعلم ما ينتظرني في قاعة روز وود لكنت أغلقت الخط في تلك اللحظة.
القصر كان يتلألأ تحت ألف شمعة. شرائط ذهبية ورود بيضاء ورائحة خفيفة من الياسمين كل شيء يبدو مثاليا.
ارتديت مئزري الأسود سويت زيي وأخذت مكاني بجوار برج الشمبانيا محاولة أن أندمج مع الموسيقى الهادئة وهمس الأحاديث.
وصل الضيوف مرتدين الألماس وابتسامات المصممين.
وبعد ذلك سادت فوضى في المطبخ. إحدى النادلات جينا اقټحمت المكان وهي شاحبة كالبورسلين.
همست لي وهي تمسك بمعصمي ميا إنت لسه ما شفتيش العريس صح
عبست لأ. ليه
عيناها تراقصتا نحو الأبواب الكبيرة. ما تتخضيش تمام بس... بصي

بنفسك.
تغيرت الموسيقى. الټفت الضيوف نحو المدخل عندما بدأت الفرقة الوترية في عزف مارش الزفاف.
وعندما نظرت ټحطم عالمي.
دخل العريس يدا بيد مع عروس متألقة في الدانتيل والألماس.
والعريس... كان زوجي.
ريكي.

الرجل الذي تزوجته قبل سبع سنوات. الرجل الذي غادر قبل ستة أشهر في رحلة عمل ولم يعد أبدا إلى المنزل.
كان يبتسم. متألقا. ينظر إلى عروسه الجديدة وكأنها المرأة الوحيدة في العالم.
في تلك اللحظة شعرت أن الزمن تجمد.
حتى الهواء توقف.
لم أعد أسمع الموسيقى ولا التصفيق ولا صوت خطواتهم وهم يسيرون على السجاد الأبيض.
كل ما كنت أسمعه هو نبض قلبي وهو يرتطم بضلوعي كأنه يريد الهروب من صدري.
كنت هناك نادلة تحمل صينية شمبانيا.
وجه غريب وسط الوجوه المترفة.
امرأة لا يراها أحد.
لكنني كنت أراه هو فقط.
وجهه الذي حفظت تفاصيله أكثر من وجهي.
الندبة الصغيرة قرب حاجبه الطريقة التي يرفع بها زاوية فمه حين يضحك النظرة التي كانت تذيب غضبي مهما اشتعل.
والآن كل ذلك يرميني في الجحيم.
ارتجفت يداي حتى خفت أن تنكسر الكؤوس من الارتطام ببعضها.
تراجعت
خطوة إلى الوراء ثم أخرى.
احتجت للهواء
أي شيء يذكرني أنني ما زلت حية.
انطلقت خارج القاعة متعثرة بطرف المفرش الطويل والأنوار تتراقص على الجدران كأنها تسخر مني.
في الممر كانت اللافتة تنتظرني
مرحبا بكم في حفل زفاف كلير وريكي.
لم يغير اسمه.
ولم يغير ملامحه.
فقط غير حياته وكأنني لم أكن فيها أبدا.
وضعت الصينية على الأرض وجلست بجوار الجدار البارد.
شعرت أن الأرض تدور أن العالم كله يضيق أن كل ما آمنت به صار كذبة.
سبع سنوات من الحب والانتظار والخوف والضحك والأمل.
سبع سنوات صارت رمادا في ثانية واحدة.
تذكرت آخر مرة رأيته فيها.
كان يقف عند باب المنزل يحمل حقيبته السوداء يقول لي بابتسامة متعبة
رحلة قصيرة بس ميا. أسبوعين بالكتير وهرجع.
وقبل جبهتي.
وقتها كنت أضحك وأردد عليه دائما ما تتأخرش الطبخ من غيرك ملوش طعم.
ضحك وقال حتى لو أكلك محروق بحبه منك.
ثم أغلق الباب ولم يعد.
بلغت الشرطة عنه مفقودا. بحثت عنه في المستشفيات. في الفنادق.
في كل مكان يمكن أن يظهر فيه رجل قرر أن يختفي.
حتى حلمي به صار نادرا كأنه يعاقبني بالنسيان.
لكن
الليلة
الليلة أعاد إلي كل الألم دفعة واحدة.
مسحت دموعي وقفت.
نظرت إلى اللافتة من جديد لكن هذه المرة لم أشعر بالضعف.
شعرت بغضب هادئ حاد من النوع الذي لا يصاحبه صراخ بل قرار.
عدت إلى القاعة بخطوات ثابتة.
الضيوف كانوا يصفقون حين بدأت الفرقة الوترية تعزف من جديد.
اقتربت من برج الشمبانيا التقطت الكأس من الأعلى شربت رشفة صغيرة فقط لأبقي يدي مشغولة عن الارتجاف.
ثم رأيت المأذون يصعد إلى المنصة.
نحن مجتمعون هنا اليوم للاحتفال بارتباط روحين...
لا أعرف متى تحركت.
فجأة كنت أمام الميكروفون.
استنوا!
صدح صوتي في القاعة كطلقة.
توقف العزف.
حتى الأنفاس توقفت.
رأيت ريكي يلتفت ببطء عيناه اتسعتا وجهه تلاشى منه اللون.
كلير عروسه رمشت في دهشة ترفع حاجبها وكأنها ترى خيالا.
قلت بصوت ثابت رغم الرجفة التي تهزني
الفرح ده ما ينفعش يحصل.
الهمسات بدأت تنتشر بين الحضور.
نظراتهم كالسكاكين.
همساتهم كالرصاص.
مين دي
نظري مش بيغلطش... دي النادلة!
مجنونة شكلها...
لكني تجاهلتهم جميعا.
تقدمت خطوة إلى الأمام وقلت وأنا أنظر مباشرة إلى ريكي
الراجل
ده متجوز بالفعل. متجوزني أنا.
سقطت كأس من يد أحد الضيوف وانكسر زجاجها محدثا صوتا كجرس
تم نسخ الرابط