قال والدي إنه سيوقف عني مصاريف الجامعة إن لم أحضر زفاف أختي
المحتويات
قائمة الأغاني عن عمتنا التي ستأتي من مدينة بعيدة ولم يزل أحدنا يختلس النظر إلى الآخر ليتأكد أن الحكم القديم بيننا ما زال موقوف التنفيذ.
في الصباح كان أبي على السفرة يقرأ الأخبار على هاتفه. لم يرفع رأسه حين جلست ولم أسع أن ألتقط نظرته. صبت أمي الشاي وضعت أمامي قطعة خبز ساخنة وطبقا صغيرا من الجبن الأبيض والزيتون. قالت كمن يصنع جسرا فوق نهر نخلص الفطور ونروح القاعة نجرب الصوت. هز أبي رأسه دون أن ينطق. رفعت فنجاني شعرت بحرارته على شفتي كأنها تذكرني بأنني هنا وأن جسدي لا يزال يتذكر ما تحبه الروح. لم أعد أنتظر أن يقول أبي شيئا يرضيني أو يطفئ جمرا في صدري. كنت أعرف أن الكلمات التي أحتاجها لم يعد قادرا على إنتاجها وأن المصانع القديمة التي كان يستخرج منها سلطته استهلكت وقودها.
القاعة يوم البروفات بدت كسفينة تمخر ماء من الضوء. العمال يركضون فني الصوت يعدل مستويات الميكروفون مصففة الشعر تتهامس مع هيذر وهي تضع تاجا فضيا تجريبيا على شعرها. اصطحبتني أمي إلى المنسقة المسؤولة عن الكلمات قالت بنتي هتقول كلمة قصيرة باسم العيلة. المنسقة أشارت بيدها إلى منصة صغيرة جانبية وقالت بابتسامة محترفة خمس دقايق كفاية قوي. أومأت. داخلي لم يغضب. خمس دقايق كانت عمرا كاملا إذا عرفت كيف تحشو الزمن بالمعنى.
في الليل جلست على أرضية غرفتي أخرجت المجلد فتحت الفلاشة وراجعت الشرائح. لم يكن العرض استعراضا للأوسمة كان خريطة. بدأت بصورة ليلية لقاعة الجامعة من نافذة الطابق الرابع حيث كنت أجلس وأكتب أكوادي ثم انتقلت إلى لقطات لرسائل البريد التي تحمل تهانينا أو نود دعوتك أو لقد تم اختيارك
جاء يوم الزفاف. في البيت كان الكل يلمع. العطور تختلط بروائح الشعر المثبت وطفلة صغيرة تركض بباقة ورد أكبر من يدها وعمي يجرب ربطة عنقه أمام المرآة كأنه يخوض امتحانا أخيرا في الأناقة. أنا ارتديت فستانا أزرق بسيطا لم يكن مشتقا من لائحة إطلالات المناسبات التي أنتجتها العائلة لسنوات كان يشبهني كما لو أنني فصلته من قطعة من سماء سقطت في خزانتي. حين ركبت السيارة بجوار أمي وضعت حقيبتي السوداء على ركبتي وثبت يدي عليها شعرت ببعض الطمأنينة. كان علي أن أتذكر أنني لا أذهب للحرب. أذهب لأقول حقيقتي. لكن للحقيقة حين تحكى لأول مرة وقع المدافع.
القاعة مساء كانت عالما من بلورات الضوء. الثريات تتدلى كحقول من نجوم صناعية الموسيقى خافتة كنسيم لطيف والضيوف يتبادلون قبلات وتهاني تشبه تلاوة محفوظة. جلست على الطاولة الثالثة قرب المنصة. هيذر تجلس في غرفة العروس أبي يدور بين الطاولات كقائد يراجع جنوده قبل العرض. حين لمحني من بعيد تجمدت نظرته لحظة ثم تحركت كما لو كانت سيارة تعطلت قليلا ثم عادت إلى السير. أمي جاءت وجلست بجانبي. أمسكت أصابعي وضغطت عليها بخفة. قالت دون أن تنظر إلي خليها تعدي. لم أجب. نظرت إلى المناديل المطوية على شكل مروحة داخل الكؤوس. مناديل
بدأت المراسم. دخلت هيذر رشيقة كالماء ضحكة لا تزال تعرف كيف تلج إلى القلب بلا استئذان. الموسيقى ارتفعت. انحنى زوجها في ابتسامة رسمية لكنها صادقة. صفق الناس. صفق جسدي دون أن أنتبه. كان هناك جزء صغير في صدري رغم كل شيء يفرح لفرحها. حين انتهت الكلمات الرسمية حين وقعت الأوراق الناس بعضهم صعدت المنسقة على المنصة رحبت بالجميع وأشارت إلى قائمة الكلمات. كان اسمي في آخر القائمة كلمة قصيرة باسم العائلة. لم يلتفت أحد. خمسة دقائق لا تغير خرائط السهرة هكذا يعتقد الناس.
صعد ابن عمتي أولا حكى نكتة عن هيذر وهي طفلة ضحك الناس بأدب. صعد جارنا القديم قال إن عائلتنا نموذج صفقوا. حين نادت المنسقة اسمي شعرت كأن الباب الذي ظللت أضغط عليه بإصبعي طوال السنوات انفتح مرة واحدة. نهضت. هاتف أمي تسلل إلى يدها ليوثق شيئا لا تعرف بعد أنه سيوجعها ويشفيها في اللحظة نفسها. أبي كان يقف بعيدا يتحدث إلى صديق. التفت حين سمع اسمي. عيونه لوهلة تراجعت ضعف سنتيمتر إلى الداخل ثم استوت.
وقفت خلف الميكروفون. وضعت حقيبتي على المنصة الصغيرة. أخرجت الفلاشة أولا ثم نظرت إلى الرجل المسؤول عن الشاشة الواسعة خلفي. أشرت له بإيماءة قصيرة. خطوة ثم ظهرت الشريحة الأولى واجهة مبنى علوم الحاسب من طابقه الرابع الليل يغطي نصف المشهد ونقطة ضوء من نافذة واحدة. قلت وأنا أنظر إلى الجمهور النافذة دي كانت نافذتي. من هنا كنت بشوفكم وأنتم نايمين على ثقة إن البنت الغائبة بنتسي. الشريحة الثانية بريد إلكتروني يحمل عنوان تهانينا اختيارك
لم تكن جملتي طويلة. كنت أقول جملة وأتركها تقف وحدها. أنا ما كنتش بضيع. أنا ما كنتش بختفي. أنا كنت ببني حاجة محدش حب يشوفها. شعرت بحذر يتسرب إلى القاعة أولا ثم صمت ثم احتراما لم أعرفه هنا من قبل. رأيت وجه أمي يتحول ببطء من الانتباه إلى الذهول ثم إلى شيء يشبه العتاب لنفسها لا لي. رأيت عيني هيذر تلمعان دمعة واحدة انزلقت ولم تحاول إيقافها. أما أبي فقد ظل واقفا بلا حركة يديه في جيبيه كتفاه مرتخيتان كما لو أنهما يحتاجان إلى من يسندهما.
أنهيت العرض بصورة أخيرة طاولة خشبية بسيطة فوقها المجلد مغلق وعليه يدي. قلت أنا جيت النهارده علشان أقول أنا مش ظل حد. أنا صورة كاملة. اللي هيشوفني كويسة واللي مش عايز يشوفني ما بقاش فارق. ثم شكرت الحضور وابتسمت لهيذر ابتسامة كاملة كانت لي ولها معا ونزلت.
لم يصفق أحد أول لحظة. كان الصمت كثيفا لكنه لم يكن عدائيا. كان صمتا يصغي كأن القاعة كلها تأخذ نفسا عميقا قبل أن تصفق كما ينبغي. ثم انفجر التصفيق. ليس تصفيق العائلة فحسب بل تصفيق الغرباء الذين يعرفون جيدا ماذا يعني أن تخرج من طابور طويل وتسير إلى حيث اخترت. جاءت أمي إلي وقد تحولت يدها إلى يد تبحث عن شيء تختبره لتصدق أنه حقيقي. وضعت كفيها على
متابعة القراءة