طرد زوجته وأطفاله الخمسة وبعد سنوات عاد إلى القصر

لمحة نيوز

من صدره.
وقف أمام المرآة فرأى وجها غريبا لا يعرفه
رجل شاحب شعره غزاه الشيب وعيناه فقدتا بريقهما منذ زمن.
ابتسم بمرارة وقال لنفسه
تستحق يا جورج... كنت تظن نفسك رجلا لكنك لم تكن سوى ظل فاشل.
في تلك الليلة قرر أن يعود إلى القصر القديم...
زيارة أخيرة أو ربما وداعا نهائيا.
بعد أكثر من عشرين عاما عاد جورج إلى المدينة التي تركها خلفه.
يحمل حقيبة قديمة ووجها أنهكه الزمن وجرحته الندوب.
كان الشتاء في ذروته والريح تعصف كأنها تذكره بكل ما خسره.
وحين وصل إلى البوابة الحديدية للقصر توقف طويلا.
كانت الصدأ يغطيها والعشب البري يملأ الحديقة
لكن رغم الخراب ظل المكان يحتفظ بظل من الماضي...
كأن الجدران نفسها تتنفس الذكريات.
مد يده المرتجفة وفتح الباب بصعوبة
وصوت

المفصلات الصدئة صرخ في صمت الليل كأنه يلومه.
دخل بخطوات بطيئة والبرد ينهش عظامه.
كل شيء كان كما تركه تقريبا الموقد الحجري اللوحات القديمة والمقاعد التي غطاها الغبار.
وفوق الطاولة وضعت صورة قديمة...
صورة له مع مارغريت والأطفال الخمسة.
اقترب منها ببطء ولمسها بأطراف أصابعه المرتعشة وهمس
يا مارغريت... يا أولادي...
وفجأة سمع خلفه صوت خطوات.
تجمد في مكانه واستدار ببطء.
كان هناك رجل في منتصف العمر يقف عند باب القاعة ينظر إليه بدهشة ممزوجة بالحذر.
قال الرجل بصوت ثابت
من حضرتك بتعمل إيه هنا
تلعثم جورج محاولا أن يجد الكلمات
أنا... أنا صاحب هذا البيت... كنت...
قاطعه الرجل بحدة هادئة
البيت ده مش بتاعك من سنين. إحنا اشتريناه من السيدة مارغريت.
تجمدت
الكلمات على شفتيه وتمتم غير مصدق
مارغريت... لسه على قيد الحياة
رد الرجل بهدوء مشوب بالأسف
كانت... توفت من كام سنة الله يرحمها.
بس قبل ما تمشي باعت البيت وقالت إنها مش عايزة تشوفه تاني... ولا حتى تفتكر أيامه.
جلس جورج على أقرب كرسي وانحنى برأسه بين يديه.
وانفجرت الدموع من عينيه بعد سنوات من الجفاف.
همس بصوت مبحوح كأنه يعترف أخيرا
ضيعت كل شيء بإيدي... كنت أملك الجنة ورميتها بجهلي وغروري.
اقترب الرجل منه وقال بلطف متردد
ممكن أعرف... إنت مين بالضبط
رفع جورج رأسه ونظر إليه نظرة طويلة وقال بصوت خافت
أنا... لا شيء
صمت لحظة ثم نهض ببطء واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج ألقى نظرة أخيرة على القاعة وقال
وداعا... يا كل حياتي اللي راحت.
وخرج يمشي تحت المطر
الغزير دون مظلة
كأنه يغتسل من خطاياه الأخيرة.
ومنذ تلك الليلة لم يره أحد بعد ذلك أبدا.
مرت السنوات وبقيت قصته تتناقلها الألسن في المدينة كأنها أسطورة حزينة.
يقول البعض إنهم رأوه في الكنيسة الصغيرة على أطراف البلدة جالسا في الصف الأخير رأسه منحن ودموعه تنساب في صمت.
ويقول آخرون إنه غادر البلاد تماما يبحث عن غفران لا يعرف أين يجده.
لكن الحقيقة الوحيدة التي بقيت...
هي ذلك القصر
الذي كان يوما شاهدا على حب جميل
ثم على كبرياء دمر كل شيء.
كان المارون أمامه يتوقفون للحظة ويتساءلون
كيف يمكن لإنسان أن يمتلك كل هذا... ثم يرميه بيده
وظل البيت صامتا
لكن الريح التي تمر بين جدرانه في كل شتاء
كانت تشبه صوت رجل نادم يهمس للعابرين
احفظوا من يحبكم...
قبل
أن يأتي يوم تكتشفون فيه أن الأوان قد فات.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط