كان زوج أمي عامل بناء لمدة 25 عاما
العمل لكنه رفض
من سيبني إذا توقفت العمل هو ما يبقيني حيا يا بني.
وذات يوم عدت من الجامعة لأجده جالسا تحت شجرة المانجو في الفناء يضع على ركبته منشفة مبللة يحدق في الأفق. جلسنا صامتين طويلا ثم قال بصوت خافت
هل تعلم كلما وضعت طوبة في مكانها أتخيل أني أضعها في بيت أحلامك.
تلك الجملة لم تخرج من رأسي أبدا.
حين بدأت مرحلة الدكتوراه تغير كل شيء. لم يعد الأمر دراسة فقط بل صراع يومي مع الوقت واللغة والمراجع والقلق والإرهاق. كنت على وشك الاستسلام أكثر من مرة لكن كلما خطر لي ذلك تذكرت يديه المشققتين والورقة الصغيرة ووجهه حين يبتسم بفخر أمام الناس. كنت أقول لنفسي لو كنت تملك نصف صلابته فلن تتراجع.
وفي إحدى الليالي الباردة كنت أعمل على فصلي الأخير في الرسالة حين رن هاتفي. كانت أمي تبكي. قالت إن تاتاي سقط في موقع البناء بعد يوم عمل طويل. قلبي تجمد. سافرت فورا قضيت الليل بجانبه في المستشفى وهو يبتسم لي رغم أنفاسه المتقطعة. حاولت أن أخفي دموعي لكنه ربت على يدي وقال
لا
ضحك بخفة ثم أغمض عينيه لينام. تلك كانت آخر مرة رأيته فيها يعمل. بعد أسابيع من الراحة تحسن قليلا لكنه لم يعد كما كان. ومع ذلك كان أول من اتصل بي حين تم تحديد موعد المناقشة صوته مليء بالحماس كطفل
هل أحتاج بدلة جديدة يا دكتور
ضحكت وقلت له أنت الأجمل مهما لبست.
في يوم المناقشة امتلأت القاعة بالأساتذة والزملاء والعائلة. قلبي كان يخفق كطبول المهرجان لكن أكثر ما كنت أفكر فيه هو وجه تاتاي بن. جلست أنظر إليه في الصف الأخير يضع يديه المتشققتين على ركبتيه ويراقبني بعينين لامعتين.
حين انتهت المناقشة وسمعت الحكم النهائي تمت الموافقة بالإجماع على منحك درجة الدكتوراه.
تذكرت لحظتها صباحات العمل في البلدة الغبار الذي غطى يديه العرق الذي تساقط على الأرض ليرويني علما. شعرت أن اللقب لا يخصني وحدي.
وحين اقترب البروفيسور سانتوس منه وسأله إن كان هو مانغ بن وتذكر قصته القديمة مع إنقاذ العامل
ساد الصمت لكن في أعماقي كان هناك ضجيج من الفخر والامتنان.
نظرت إلى تاتاي فوجدته يبتسم بخجل يحك مؤخرة رأسه كما يفعل دائما حين يحرج. همس لي
ما كنت أريدهم يعرفوا أنا مجرد عامل.
فأمسكت يده وقلت
أنت أكثر من ذلك أنت باني كل هذا.
خرجنا من القاعة معا كان الغروب يلون السماء بالبرتقالي الذهبي. جلسنا على درجات السلالم وضع حقيبته القديمة بجانبه أخرج منها زجاجة ماء وبعض الفول السوداني المحمص نفس النوع الذي كان يرسله لي كل عام وقال بابتسامة تعب
هل تذكر طعامك الملفوف بأوراق الموز كنت أضع الورقة بخفية حتى لا تراها أمك وتضحك.
ضحكت حتى امتلأت عيناي بالدموع. ثم صمتنا طويلا نراقب الطلاب يلتقطون الصور بقبعاتهم السوداء بينما كانت يده على كتفي كأنها تضع ختما من الفخر على حياتي.
في تلك الليلة عندما عدنا إلى المنزل وضعت شهادة الدكتوراه في إطار خشبي بسيط ثم علقتها على الحائط فوق سرير تاتاي
لا أستحقها.
فقلت له
بل أنت الوحيد الذي يستحقها.
كل صباح بعدها كان يمر بجانبها يلمسها بأطراف أصابعه الخشنة ويقول
ها هي ثمرة العرق.
ومع مرور الأيام بدأت أكتب قصتي لا لأمجد نفسي بل لأروي للعالم أن وراء كل شهادة نجاح هناك يد خفية بنت الأساس.
يد متشققة قوية ومليئة بالحب.
قد يرى الناس في تاتاي بن عاملا بسيطا لكني رأيت فيه أعظم معلم في حياتي.
علمني الصبر دون أن يتكلم والإيمان بالعمل الشريف دون أن يكتب كتابا والكرامة دون أن يلقي محاضرة واحدة.
ربما لم يحمل شهادة في الهندسة لكنه هو من هندس حياتي على أساس الصدق والتعب والأمل.
وفي كل مرة أنظر إلى شهادتي المعلقة أبتسم وأقول في سري
هذه ليست ورقة دكتوراه بل وثيقة شكر لرجل علمني أن العظمة لا تقاس بما
نلبس أو نحصل عليه بل بما نبنيه داخل قلوب الآخرين.
الآباء لا يعرفون بالدم بل بالحب.
وأحيانا يكون الرجل الذي تفوح منه رائحة الإسمنت والغبار
هو نفسه الذي حملنا حجرا فوق