أمرها أن تعزف ليُذلّها… فصمت الجميع عندما نطقت أصابعها

لمحة نيوز

في اليمين كانت تلقي أسئلة صغيرة لماذا صار الفجر بعيدا كيف يمكن لفتاة أن تتعلم من التلميع طريقة للعزف لماذا لا يصدق الناس أن الموسيقى أحيانا لا تحتاج إلى معلم وفي اليسار كانت تجيب بإيماءات هادئة لأن الفجر يأتي لمن ينتظره أكثر لأن اليد التي تتعلم دقة الضغط على قطعة قماش تعرف تلقائيا دقة الضغط على وتر ولأن الألم أساتذة كثيرون في جسد واحد.
أحد الندل صبي لم يتجاوز السابعة عشرة كان يقف قرب الباب وقد التصقت يداه بصينيته كأنها عجينة. عيناه لمعتا بنور لم يعرفه من قبل. تذكر لحظة قديمة حين كان يطرق على حافة الطاولة ليقلد صوت مطر قصيرة وشعر بالخجل لأنه يومها سخر منه أخوه. الآن في حضور جوليا لم يعد الصوت لعبة. صار احتمالا.
في الصف الثالث رجل مسن هو نفسه الذي صفق أولا انحنى للأمام. قبض على عصاه بقوة وكأنه يشد سلما غير مرئي لتصعد عليه النغمة. كان يسمع بالإضافة إلى الموسيقى خفقانا لم يعرف أنه لا يزال موجودا في صدره. نظر إلى زوجته الراحلة في مكان ما على سقف القاعة وقال بلا صوت انظري ما زال في العالم شيء يوقظنا.
في تلك النقطة حيث يتهيأ اللحن لقمته المتواضعة حدثت لحظة خطر. انزلقت سبابة جوليا نصف ملم أبعد مما
ينبغي. انزلاق صغير كهفوة في صلاة. الزمن توقف. الثريات انتبهت. الأنفاس خبأت نفسها. لكن الإصبع استعادت موضعها في ربع لحظة كما تفعل فتاة توازن بين دلوين على عتبة بيت قديم. بدت الهفوة لمن أصغى جيدا بشرية تشبهنا أكدت أن العزف ليس آلة تعرف الدقة فقط بل إنسان يعرف الخطأ ويتجاوزه دون أن ينهار.
وهبت اليد اليسرى دعما أعمق نبرة أكثر تماسكا كأن شخصا ما ربما الجدة وضع كفه تحت ظهر جوليا وقال كملي. واليمين وقد تعلمت من الخوف صارت أكثر صدقا أقل تزيينا. انقشعت الطبقة الرقيقة من الخجل فبان معدن الصوت لا فضة ولا ذهب بل شيء أقرب إلى صبح يرى لأول مرة بعد ليل كثير.
نظرة دارت من زاوية القاعة إلى زاوية أخرى لم يعد لأحذية الرجال وطول سيقان النساء وألوان الكرفتات أي معنى. المعنى صار يمر وحده من بين الجموع كهواء يتفق الجميع على حاجته. حتى المرايا على الجدران لم تعد تعكس صورا بل صدى بصريا لصوت يتصاعد.
رفع قائد الأوركسترا رأسه عن النوتة التي لا علاقة لها بما يحدث وأحس بخجل لطيف. ما جدوى كل هذه العلامات الدقيقة إذا كانت فتاة تعلمت وحدها قادرة على أن تقول كل شيء بأقل من ربع سلم أشار بعينيه إلى العازفين أن يثبتوا. لا أحد
يتحرك. لا أحد يتنحنح.
في الصف الأخير خلف عمود رخامي وقفت خادمة أخرى زميلة لجوليا تمسح يدها بمئزر خشن. شهقت عندما سمعت الجملة الثانية تعود كأغنية قديمة كانت أمها تغنيها وهي تعقد ضفائرها. أطبقت كفها على المئزر بقوة حتى صدر عنه خشخشة. لم يلتفت إليها أحد وهذا كان مريحا. الدموع التي خرجت من عينيها سقطت بصمت على الحافة السفلى للمئزر ثم شربها القماش. لم تفسد شيئا.
انخفض الضوء قليلا في الخلف. ليست خدعة مسرح مجرد سحابة عابرة خارج الزجاج الملون أعطت للقاعة ظلا أزرق. في هذا الظل بدت أصابع جوليا مثل طيور خوفية تجد شجرتها أخيرا. تكرر الموضوع اللحني. هذه المرة صار أبطأ أصدق. ثقيلا بالقدر الذي تحتاجه الكلمات لتكون واضحة. هناك في الفجوة بين مفاتيح الفا والصول قالت جوليا ما لم تستطع قوله طول حياتها أنا هنا. لم يسمع أحد الكلمة حرفيا لكن جميع الحاضرين فهموها. لأن الموسيقى حين تصل إلى هذه النقطة تكون قد خلعت الترجمة ولبست الفطرة.
نقرة كعب نسائي حاولت أن تخرج ثم توقفت. صاحبته اعتذرت داخلا. حتى ضحكة كانت على وشك الولادة ماتت قبل أن تبصر النور. وأزيحت نفس طويل من صدر عازف البوق كأنه يسلم مكانه للبيانو.
في مقدمة
القاعة حرارة الجسد الجماعية بدأت ترفع بخارا شديد الرهافة. قدمت الأرضية لمعة إضافية كأنها تقترح أن تصبح مرآة ثانية. وفي أعلى السقف حيث تلتقي الزخارف بمنحنى نهائي تجمع خيط من الغبار رقته الموسيقى حتى صار أقرب إلى ضباب رقيق. كل شيء كان يتعاطى مع كل شيء دون أن يلمس شيئا. العالم صار تعليما على الرهافة.
اقتربت جوليا من الختام كما يقترب خطاط من نقطة آخر كلمة. لم تسرع. لم تبطئ. فقط استمعت إلى المسافة بين قلبها والوتر وقاستها بالمليمتر. جملة قصيرة هبطت مثل جناح على ماء ثم سكتت. بعدها مباشرة أظلمت في داخلها كل غرف الذكريات إلا غرفة واحدة صورة الجدة وهي تومئ برأسها في النوم وابتسامة خفيفة في زاوية فمها ويدها الذابلة تمسح على يد طفلة وصوتها لا تخافي. قالت جوليا للغرفة الباقية سمعوني. ثم أغلقت الباب بلطف.
الوتر الأخير أطلق. لم يكن طويلا. لم يكن استعراضيا. كان شبيها بمسامير دقيقة تثبت إطار نافذة في مكانه بعده يمكن للريح أن تمر دون أن تقلع شيئا. ارتج الهواء رجة صغيرة ثم سكن. سمع الجميع سكونا يختلف عن السكون الذي سبق العزف هذا سكون جديد سكون شيء اكتمل.
هنا بالضبط حدث ذلك الصمت الغريب الذي لا يحسبه أحد من
ثواني الساعة.
تم نسخ الرابط