حماتي علمّتني إزاي أبكي من غير ما أطلّع صوت
لما اتجوزت كريم كنت فاكرة إني داخلة بيت كله حب ودفا
لكن ما كنتش عارفة إني بدخل ساحة حرب مش بيت زوج.
من أول يوم حماتي مدام ناهد ما حبتنيش.
قالت عن طبخي مالوش روح
وقالت إني متعلمة زيادة عن اللزوم
وهادية زيادة عن اللزوم
وشايفة نفسي زيادة عن اللزوم.
كانت تهمس في ودن ابنها لما تفتكر إني مش سامعة
وبالتدريج بدأت أفقده.
في الأول كانت حاجات بسيطة صمت بارد بعد العشا
نظرات فيها لوم من غير سبب.
وبعدين بقت نبرته قاسية
كأنه بيكلمني مش كزوجته كحد غريب.
وفي يوم بعد ما قالت له إني ساحرة ابنه وساحبة عقله
صرخ في وشي لأول مرة.
في الليلة دي نمت في الصالة
بعيوني مفتوحة على السقف
بسأل نفسي
إزاي الحب اللي حلمت بيه بقى عقاب
كنت ناوية أجهز شنطتي وأرجع بيت أهلي
لكن ما عملتش كده مش علشان ضعيفة
لكن علشان كنت مؤمنة إن الحب ممكن يصلح كل حاجة.
وبعد فترة ربنا كرمني وحملت.
قلت خلاص يمكن لما تعرف إني حامل قلبها يلين.
لكنها قالتلي ببرود
فاكرة العيل هيخلي ابني يحبك أكتر هنشوف.
ولما ولدت بنتي رفضت حتى تشوفها.
وقالت قدام الناس
الطفلة دي مش شبهنا.
كل كلمة كانت سكينة في صدري
وكل نظرة منها كانت طعنة من غير دم.
أما كريم
ما قالش ولا كلمة
صمته كان أسوأ من كرهها.
ومن هنا اتعلمت أبكي في صمت.
لأن الدموع في البيت ده كانت تحسب ضعف
والصمت هو اللي كان سلاح البقاء.
بس الوجع له طريقة عجيبة في تعليم القوة.
وقوتي ما جتش فجأة
جت بالتدريج زي الفجر بعد ليل طويل.
وفي صباح من الأيام سمعتها بتزعق في المطبخ
النسوان دلوقتي
لولا ابني ما كنتي شوفتي الجواز في حياتك!
في اللحظة دي انكسر جواي شيء
بس ما كانش انكسار ضعف
كان انكسار بيولد قوة.
استدرت وقلت لها بهدوء
ماما أنا احترمتك أكتر من نفسي
بس الاحترام مش عبودية.
تحملت كلامك وغيبتك وكرهك
مش لأني جبانة
لكن علشان ما أحبش بنتي تكبر وتلاقينا بنتخانق.
بس من النهارده هتتكلميني كإنسانة مش ككيس ملاكمة.
سكتت.
حتى كريم وقف متجمد في مكانه.
كنت مرعوبة من جواي
بس لأول مرة قلبي كان هادي.
في الليل جمعت هدومي وهدوم بنتي.
ولما سألني
رايحة فين
بصيت له وقلت
رايحة لمكان فيه سلام
لما تفتكر الست اللي كنت بتحبها زمان
ساعتها هتعرف تلاقيني فين.
خرجت وأنا حافية
بس كان إحساسي بالحرية أغلى من كل شيء.
مرت شهور.
سكنت عند صديقة وبدأت أبيع مخبوزات صغيرة علشان أعيش.
بالتدريج رجعت أضحك أتنفس وأحب نفسي من جديد.
وفي يوم جالي اتصال.
كانت مدام ناهد مريضة جدا
الناس كلها قالت إنها خلاص أيامها معدودة.
لكن اللي وجعني مش مرضها
اللي وجعني إن ما فيش حد من أولادها سأل فيها.
اللي كانت بتفتخر بيهم وتقول عيالي ما فيش زيهم
نسيوها كأنها عمرها ما كانت لهم أم.
قعدت أبص في التليفون
أتردد أفتح رقمها وأقفله
لحد ما في الآخر قررت أروح.
مش علشان هي تستاهل
لكن علشان أنا اللي محتاجة أرتاح
محتاجة أثبت لنفسي إني مش زيها
إني مهما وجعتني لسه عندي قلب.
دخلت بيتها بعد غياب شهور
كان البيت نفسه كئيب
الست اللي كانت صوتها يملأ المكان
بقت نايمة على سرير صغير
نظرتها مطفية وملامحها متعبة
وقفت عند الباب
ما قدرتش أتكلم.
هي أول ما شافتني دمعت.
قالت بصوت مبحوح
جتي يا سارة ما كنتش متوقعة تشوفيني تاني.
قربت منها بهدوء
مسكت إيدها الباردة
قلت
جيت يا ماما لأن ربنا بيحب اللي يسامح
وأنا ما رجعتش علشانك رجعت علشان نفسي.
سكتت لحظة وبصت للسقف كأنها بتفتكر الماضي.
قالت
كنت فاكرة نفسي دايما الصح
كنت عايزة ابني يعيش ليا مش ليه
يمكن ظلمتك يمكن كسرتك.
كلمتها كسرت قلبي أكتر من كل الإهانات اللي قالتها زمان.
فضلت قاعدة جمبها أيام وليالي
كنت بطبخ ليها أغير لها
أقرأ لها قرآن وأحكيلها عن بنتي اللي كبرت وبقت شبه الملاك.
كل يوم كانت بتسكت أكتر
وصوتها يضعف أكتر.
وفي آخر ليلة ليها قالتلي وهي بتتنفس بصعوبة
سارة إنتي علمتيني يعني إيه الحنية
سامحيني لو كنت ست قاسية.
دموعي نزلت على إيدها
قلت
سامحتك من زمان قبل حتى ما تطلبي.
وبعد ساعات سكت نفسها للأبد.
غسلتها بإيدي
ودفنتها زي ما كنت أتمنى يوم من الأيام تشوفني كابنتها بجد.
ما كانش في جنازتها غيري أنا والشيخ.
لا كريم ولا إخواته.
وقفت أبص على القبر
وقلت في سري
سبحانك يا رب اللي كنا فاكرينه قوة كان ضعف
واللي كنا فاكرينه ضعف طلع هو القوة الحقيقية.
رجعت بيتي وأنا حاسة إن في حاجة اتولدت جوايا من جديد.
كنت خلاص اتعلمت يعني إيه السلام الداخلي.
لكن بعد أسبوعين حصل اللي ما كنتش أتوقعه
في يوم وأنا ببيع المخبوزات في السوق
لقيت حد بينادي باسمي من ورايا
سارة!
التفت
لقيت كريم واقف
نفس العيون بس فيها وجع غريب.
مظهره تغير شكله متعب وكأنه شايل جبل فوق ضهره.
قرب مني وقال بهدوء
عرفت إنك كنتي عند أمي لحد آخر يوم
أنا مقدرتش أعمل اللي عملتيه
بس كنت بدعي ربنا يسامحني.
ما عرفتش أرد.
فضل ساكت لحظة وبعدين قال
كنت دايما قوية
وأنا كنت أضعف من إني أوقفك في وش أمي.
ضيعتك بإيدي
والنهارده كل يوم بيفكرني باللي خسرت.
قلتله بهدوء
كريم اللي بينا انتهى يوم اخترت السكوت وأنا بتوجع.
النهارده أنا مش سارة اللي كنت تعرفها.
أنا أم وشغالة ومكافحة
وسعيدة من غير وجع.
دمعت عيونه وقال
مش عايزة فرصة تانية
ابتسمت وقلت
أنا سامحتك بس ما ينفعش أرجع لمكان كسرني.
الحب الحقيقي مش اللي يخلينا نبكي
الحب اللي يخلينا نحس بالأمان
وأنا أخيرا لقيت الأمان في نفسي.
حاول يتكلم بس ما خرجش صوت.
رجع خطوتين ورا
وقال
كنت دايما نور البيت ولما مشيتي ضلم كل شيء.
قلتله
النور عمره ما بيضيع
بس أوقات بيغير مكانه وأنا دلوقتي بنور لنفسي.
رجع ومشي
وسبت قلبي يرتجف لحظة
بس ما بكيتش.
كنت فخورة بنفسي أكتر من أي وقت فات.
مرت شهور تانية
بنتي كبرت ودخلت المدرسة
وكانت كل يوم تبصلي وتقول
ماما أنا عايزة أبقى قوية زيك.
كنت أضحك وأقولها
القوة مش في إنك ما تبكيش
القوة إنك تبكي وتكملي.
اشتغلت أكتر وفتحت محل صغير للمخبوزات
والناس بقت تحب أكلي اللي كانوا زمان يقولوا عليه بلا روح.
كنت بضحك وأقول
هو نفس الطبخ بس النهارده بطبخ وأنا حرة.
بعد خمس سنين
خمس سنين مرت
لكن كأنها عمر تاني.
ما كنتش نفس سارة اللي خرجت حافية ومكسورة زمان
كنت إنسانة جديدة
تعلمت
فتحت محل صغير للمخبوزات وسميته حنين
على اسم بنتي.
الناس كانت بتحبني
مش علشان ببيع أكل
لكن علشان كنت بوزع حب وسلام مع كل قطعة كيك.
كنت بصحى