تجمدت في الجو 40 دقيقة وعادت حيّة لقصة التي أدهشت العالم
العودة إلى الجسد كانت درجة حرارتها أقل من 27 مئوية ويديها وقدميها متجمدتين وأنفها متورم بشدة أدخلها الأطباء إلى غرفة الطوارئ وبدأوا عملية التسخين البطيء لجسدها لتفادي الصدمة الحرارية ربطوا أجهزة التنفس والأكسجين وبدأت الأدوية تتدفق في عروقها بعد ساعات فتحت عينيها ببطء وسط ضوء أبيض باهت وصوت الماكينات الطبية يحيط بها
قالت الممرضة وهي تبتسم بدهشة أنت في المستشفى يا إيوا لقد نجوت نظرت إيوا حولها بذهول كانت ملامحها متورمة عيناها بالكاد تفتحان وأصابعها لا تزال مشلولة من البرد لم تتذكر شيئا في البداية فقط شعور بالبرد القارس يلاحقها حتى داخل أحلامها بعد دقائق من الصمت قالت بصوت خافت هل أنا على قيد الحياة حقا
ضحك الطبيب وقال بأعجوبة نعم
خلال الأيام التالية بدأت حالتها تتحسن ببطء الأطباء وصفوا ما حدث بأنه أقرب إلى المعجزة العلمية كيف لجسد بشري أن يبقى حيا في نقص أكسجين ودرجة حرارة قاتلة دون أن يتوقف القلب أو الدماغ أحد الخبراء في فسيولوجيا الطيران قال إن ما أنقذ إيوا هو أن جسدها دخل حالة تشبه السبات الشتوي
في الأيام الأولى بعد الحادث كانت إيوا تصحو أحيانا في منتصف الليل فزعة تظن أنها لا تزال داخل العاصفة كانت تسمع في أذنيها صفير الرياح وصوت البرد يرتطم بجسدها كانت تلمس وجهها فتجده منتفخا وتشعر بألم حاد في أطرافها لكنها كانت تحمد الله في كل مرة تتنفس فيها كانت تقول للممرضات أشعر أنني ولدت من جديد
وحين خرجت من المستشفى بعد أسابيع استقبلتها الصحافة العالمية كما لو كانت ناجية من معجزة سماوية الكاميرات في كل مكان الأسئلة تتدفق والناس يريدون أن يعرفوا كيف يمكن لإنسان أن يعيش في الجحيم الجوي ويعود ليبتسم من جديد كانت تبتسم دائما بهدوء وتقول الله أراد لي أن أعود لأحكي ما رأيت
وفي مقابلة تلفزيونية قالت وهي تنظر إلى السماء عندما كنت هناك فوق الغيوم بين الصواعق كنت وحيدة تماما لم يكن معي أحد لا طيارون ولا أجهزة إنقاذ فقط أنا وربي كنت أرى الوميض في كل مكان وأشعر أن النهاية اقتربت ومع ذلك كان في قلبي سلام غريب ربما لأنني
قصتها لم تتوقف عند النجاة فقط بل أصبحت موضوعا للدراسة في الجامعات ومعاهد الطيران استخدم العلماء بيانات الطقس والأقمار الصناعية ليعرفوا كيف تشكلت تلك العاصفة العجيبة ووجدوا أنها كانت واحدة من أقوى العواصف الكهربائية التي مرت في أستراليا خلال عقد كامل وأكدوا أن صعود إنسان إلى ارتفاع عشرة آلاف متر داخل عاصفة رعدية والبقاء حيا هو أمر لم يسجل في التاريخ من قبل
أما إيوا فقد تغيرت حياتها تماما بعد ذلك اليوم لم تعد ترى الطيران مجرد رياضة بل رسالة روحية عادت إلى الطيران بعد أشهر ولكن بشعور مختلف كانت تنظر إلى السماء باحترام يشبه الخشوع وتقول في نفسها لقد اختبرت السماء وعرفت كم هي عظيمة
كانت تزور المدارس والجامعات وتحكي قصتها للشباب تشرح لهم أن المغامرة ليست تحديا للطبيعة بل فهما لقوانينها كانت تقول حين تظن أنك تتحكم بكل شيء تذكر أنك في النهاية نقطة صغيرة أمام قوة الله
بعد عام من الحادث عادت إلى المكان الذي انطلقت منه أول مرة فوق تل نيو ساوث ويلز ومعها المظلة ذاتها التي نجت بها نظرت إلى
ثم ركضت بخفة وارتفعت في السماء من جديد لكن هذه المرة كان في قلبها يقين مختلف لم تعد تخاف من الارتفاع لأنها ذاقت ما هو أعمق من الخوف كانت تحلق بهدوء فوق الغيوم والريح تداعب مظلتها بينما صوتها الداخلي يردد الحياة لا تقاس بعدد الأيام بل بعدد المعجزات التي نعيشها
مرت سنوات وإيوا أصبحت رمزا للشجاعة والإيمان بقوة الإرادة صدرت عنها أفلام وثائقية وكتب عديدة يصفها الناس بأنها المرأة التي وصلت إلى أبواب السماء وعادت لتحكي أما هي فكانت ترفض فكرة البطولة وتقول ببساطة لم
أكن بطلة كنت فقط إنسانة خافت ثم آمنت فسلمت نفسها لله فحماها
وهكذا تظل قصة إيوا فيشنيرسكا درسا خالدا عن حدود الإنسان وقدرة الله وعن أن النجاة ليست دائما من صنع الشجاعة بل أحيانا من رحم الرحمة
منذ ذلك اليوم كلما نظرت إيوا إلى السماء الملبدة بالغيوم لا تراها خطرا بل وعدا بالحياة فهي تعرف أن هناك فوق تلك الغيوم في مكان لا يرى معجزة صغيرة تنتظر من يؤمن أن الله قادر على