يقول صاحب المطعم كل يومين منذ شهر تآتي جارتنا
بني أنا أعيش فقط حين أحمل هذه الأكياس. لو تركتها سأموت قبل أواني.
تجمدت كلماتي في حلقي. ما هذه القوة ما هذا القلب
لم يكن بإمكاني أن أظل صامتا. قررت أن أبحث عن ابنها. سألت وعرفت أنه يعيش في الخارج في مدينة بعيدة متزوج ولديه عمل جيد.
اتصلت به وأخبرته أن أمه مريضة وتحتاج إليه. رد ببرود
مشغول. لا أستطيع أن أعود الآن. دبروا أمركم.
صعقت. كيف يمكن لابن أن يتخلى عن أمه بهذه السهولة أغلقت الهاتف ودموعي تسيل.
عدت إليها وأخبرتها أنني حاولت التواصل بابنها. ابتسمت بحزن وقالت
أعلم يا بني. لقد مات ابني في قلبي منذ تركني.
ذات مساء جلست بجوارها في بيتها الصغير. كانت مرهقة جدا. ناولتني ورقة صغيرة وقالت
هذه وصيتي. كل ما ورثته من عائلتي وكل ما جمعته سيكون للأيتام. لا أريد أن يأخذ ابني شيئا فهو لم يعد ابني.
أخذت الورقة وأنا أشعر أني أحمل جبال الدنيا. أي قلب هذا أي قوة
لم تمض أيام حتى وصلني الخبر الذي خشيت سماعه الخالة رحلت.
رحلت بصمت كما عاشت. لكن جنازتها لم تكن صامتة. خرج أهل الحارة جميعا وخرج أطفال دار الأيتام يبكون كأنهم فقدوا أمهم الحقيقية.
حين حملنا نعشها شعرت أني أحمل نعش أمي. تمنيت لو كنت ابنها لو كنت أستحق أن أناديها أمي.
بعد أيام علمت أن دار الأيتام استلمت المبلغ الكبير الذي تركته. صار المكان أجمل الأطفال يأكلون جيدا يلبسون ملابس جديدة يلعبون. وكل هذا بفضلها.
جلست في محلي بعد فترة أتذكر
علمتنا أن العطاء لا يحتاج إلى غنى ولا إلى قوة بل إلى قلب حي. علمتنا أن الأمومة لا تقاس بالدم بل بالرحمة.
ومنذ ذلك اليوم أقسمت أن أزور دار الأيتام بانتظام. لم أكن أملك الكثير لكني أحمل معهم ما أستطيع. وكلما نظرت إلى الأطفال تذكرت الخالة وقلت في نفسي رحمك الله يا أمي الثانية.
بعد أيام قليلة من جنازتها صار أهل الحارة يتحدثون عنها أكثر من أي وقت مضى. كل واحد صار يروي موقفا شخصيا عاشه معها.
بائع الخضار قال وهو يبكي
والله كانت تدخل محلي وعيوني تدمع من طيبتها. ما كانت تسأل عن السعر كانت تقول زن لي كما يزن قلبك. ما معنى هذا أي قلب يحمل مثل هذه الكلمات
صاحب الدكان المجاور قال
أتدرون ذات مرة تركت عندي مئة دينار وقالت إذا مر طفل فقير ولم يجد ثمن شيء من الحلوى أعطه مما عندك واحسبه علي. لم يخطر ببالي أنني أتعامل مع ولية من أولياء الله.
حتى الأطفال في الشوارع صاروا يتذكرونها. كانت تجلس أحيانا على الرصيف وتوزع عليهم قطع البسكويت البسيطة. لم تكن تملك رفاهية كبيرة لكن كان لديها قلب يسع الدنيا.
بعد أن وصل الميراث لدار الأيتام تغير حال الأطفال تماما.
صار لديهم طعام يومي أفضل غرف جديدة بنيت وأدخلت ألعاب وأثاث جديد.
لكن الأهم من كل ذلك أن الأطفال لم ينسوا أمهم. كانوا يضعون صورتها التي التقطها أحد المتطوعين
مدير الدار قال لي يوما
المال مهم نعم. لكنه ليس أهم ما تركته. أهم ما تركته هو أثرها في نفوس هؤلاء الصغار. صاروا يؤمنون أن هناك من يحبهم حتى لو لم تكن لهم عائلات.
لم يهدأ بالي تجاه ابنها. كيف يمكن أن يعيش مرتاحا وقد ترك أمه تموت وحدها
قررت أن أواجهه. اتصلت به مجددا وقلت له
أمك رحلت.
ساد صمت على الطرف الآخر ثم قال ببرود
الله يرحمها.
صرخت فيه
ألا تخجل من نفسك! تركتها وهي تناديك. حرمتها من كلمة واحدة من نظرة من لمسة. أتدري ماذا فعلت بمالها أعطته للأيتام. لم تترك لك شيئا.
تلعثم للحظة ثم قال
هي حرة.
أغلقت الهاتف في وجهه. شعرت أن هذا الرجل فقد إنسانيته. تمنيت لو كنت أنا ابنها بدلا منه.
في إحدى الليالي رأيتها في منامي. كانت تلبس ثوبا أبيض تبتسم وتقول
لا تحزن علي يا بني. أنا لم أمت أنا أعيش في قلوب الأيتام.
استيقظت ودموعي على وجهي. شعرت أن رسالتها وصلتني اكمل ما بدأته.
منذ ذلك اليوم لم أعد مجرد صاحب مطعم يبيع الطعام. أصبحت شخصا آخر.
بدأت أخصص جزءا من دخلي لدار الأيتام. صرت أذهب بنفسي لأطبخ لهم مرة في الأسبوع.
وصار جاري بائع الخضار يفعل الشيء نفسه. حتى أصحاب المحلات الأخرى بدأوا يتسابقون لفعل الخير.
كل هذا بسبب امرأة واحدة امرأة كانت وحيدة لكنها صنعت من وحدتها جيشا من المحبين بعد رحيلها.
بعد فترة جاءني أحد الأطفال
هذه تركتها الخالة لك.
فتحت الورقة فإذا بها بخط يدها المرتعش
يا بني أشكرك لأنك كنت تبتسم لي كلما دخلت محلك. قد لا تعلم لكن ابتسامتك كانت تسندني حين يخذلني العالم. أوصيك أن تظل تبتسم فالابتسامة قد تنقذ إنسانا من الانكسار. وإن استطعت فأطعم جائعا أو امسح دمعة فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
قرأت الكلمات مرارا ودموعي تنهمر. شعرت أنني صرت ابنها حقا.
بدأنا نروي قصتها في الحارة لكل صغير وكبير. صار اسمها يتردد كأنها رمز.
الخالة الفاضلة.
أم الأيتام.
الملاك الذي عاش بيننا.
حتى المسجد القريب خصص خطبة جمعة للحديث عن سيرتها. الإمام قال
هذه المرأة لم تكن غنية ولم تكن قوية لكنها فهمت معنى العطاء الحقيقي. نحن جميعا مسؤولون أن نحمل رسالتها.
مرت سنوات وكبر بعض الأطفال في دار الأيتام. صاروا شبابا بعضهم التحق بالجامعة وبعضهم فتح محلات صغيرة.
لكنهم جميعا ظلوا يذكرونها. كانوا يقولون
لولاها لما شعرنا أن لنا أما.
أحدهم واسمه سامر وقف أمامي وقال
أريد أن أكون مثلها أن أعطي كما أعطت.
أدركت حينها أن أثرها لن ينتهي.
ها أنا الآن بعد سنوات من رحيلها أكتب قصتها لأرويها للعالم.
قصة امرأة لم يعرفها أحد لكنها علمتنا جميعا معنى الرحمة.
قصة أم تركها ابنها لكنها لم تترك أبناء غيرها.
قصة إنسانة بسيطة لكنها صنعت فرقا أكبر من ألف غني.
وأنا أكتب أشعر أني أسمع صوتها
لا