مصر الان يارب سلم
القرى المجاورة للحادث لم تهدأ، بل عمّها الحزن والصدمة. كل بيت تقريبًا فقد قريبًا، صديقًا، أو جارًا. بكاء الأمهات، صراخ الآباء، انكسار الشباب، ورائحة الموت التي سكنت الأزقة.
في أحد البيوت، صرخت أم شابة: "كان ابني رايح يشتري حاجات لأخته الصغيرة… مش راجع!". وفي بيت آخر، طفل يسأل عن والده الذي "اتأخر" ولا يعلم أنه لن يعود.
بعض الأهالي طالبوا بالإعدام الفوري للسائق، والبعض الآخر وجهوا اللوم للحكومة. الغضب كان أكبر من أن يحتويه بيان، أو تعزية. الناس تريد فعلًا، لا كلمات.
في يوم لم ينسَه أحد، خرجت 14 جنازة متتالية. كل جنازة كانت تحمل حلمًا ووجهًا محبوبًا. النساء خرجن خلف النعوش يصرخن "حسبي الله ونعم الوكيل"، والرجال لم يستطيعوا حبس دموعهم.
المساجد امتلأت بالمصلين، والأكف ترتفع بالدعاء. شيخ المسجد قال أثناء صلاة الجنازة: "هؤلاء مظلومون… نحسبهم عند الله شهداء"، وردد الناس خلفه: "آمين".
تم دفن الجثامين
لقد كان صباح الخطاطبة صادمًا، لكنه في حقيقته ليس سوى مرآة تعكس واقعًا مريرًا نعيشه يوميًا على طرق الموت في مصر، من الدلنجات إلى الصحراوي، ومن الدائري إلى الطريق الإقليمي، حيث أصبحت الطرق ساحات قتل مفتوحة دون رقيب، وأرواح الناس تُزهق كما لو أنها لا تساوي شيئًا.
حين يموت 14 شخصًا في لحظة واحدة، لا ينبغي أن يُختزل الحدث في كلمة "حادث"، فالكلمة وحدها باتت تخدر إحساس الناس، وتُخفي خلفها مسؤوليات جسيمة يجب أن تُحاسب عليها جهات ومؤسسات، بل ومنظومات بأكملها. نحن أمام مشهد يتكرر كل أسبوع، ولكننا اعتدنا، أو أجبرونا أن نعتاد، وهذا هو الكارثة الأكبر.
سائق ترلة ينام على الطريق ، ويمرّ عبر مئات الكيلو مترات دون أن يُستوقف. أين الكاميرات؟ أين الرادارات؟ أين الكمائن الفعّالة التي تقيس الوعي
الحكومة مسؤولة. نعم، هذه ليست مبالغة ولا شعبوية. الدولة التي لا توفر طرقًا آمنة، ولا تُحسن تخطيط المسارات، ولا تُنظم سير النقل الثقيل، ولا تحمي الميكروباصات المتهالكة التي تقل آلاف المواطنين يوميًا، هي دولة تُشارك في الجريمة بالتقصير. وأي مسؤول يغضّ الطرف عن هذه الكوارث، هو شريك بالصمت والسكوت والتأجيل الذي يقتلنا كل يوم.
لكن المسؤولية لا تقع على الدولة فقط. نحن كمجتمع، كأفراد، علينا أن نغيّر ثقافتنا المرورية، أن نحترم الطريق، أن نبلغ عن السائقين المتهورين، أن نطالب بالحقوق ولا نصمت عند وقوع الكارثة. يجب أن نربي أبناءنا على أن القيادة ليست مجرد تحريك عجلة، بل
والإعلام، عليه أن لا يجعل من دماء الأبرياء ترندًا مؤقتًا ينتهي خلال يومين. عليه أن يتابع القضايا حتى يُحاسب المخطئ، ويُصلح المهمل، وتُستبدل القوانين الفاشلة بأخرى تردع وتُحمي.
نحن بحاجة إلى ثورة في التفكير. إلى لحظة صدق مع النفس، نسأل فيها: كم حادث نحتاج لنشعر بالخطر؟ كم جثمان يجب أن ندفنه لندرك أن الأرواح لا يجب أن تُزهق بهذه السهولة؟! لماذا أصبح الموت في الطريق أسهل من الحصول على علاج أو فرصة عمل؟
رحلوا هم، لكن بقيت لنا مسؤولية أن لا نسمح بتكرار الرحيل. بقي لنا صوتنا، قلمنا، كاميراتنا، وعقولنا. فلنستخدمها جميعًا من أجل التغيير الحقيقي، لا من أجل بكاء على أطلال وطن فقد إنسانيته على الأسفلت.
اللهم اجعل موتاهم شهداء، واغفر لهم، وارزق ذويهم الصبر، واجعل دماءهم طريقًا نحو وعي جديد، نحو محاسبة لا ترحم المجرمين، وتغيير لا يُبقي مجالًا للعبث بأرواح الناس.
كفى صمتًا...