مصر الان يارب سلم

لمحة نيوز

في صباح كئيب على طريق الخطاطبة، تحديدًا قبل الكارتة بقليل، كان القدر على موعد مع واحدة من أبشع الحوادث التي اهتزت لها القلوب قبل الأجساد. حادث دموي، مأساوي، راح ضحيته 14 راكبًا دفعة واحدة، معظمهم من البسطاء، الآباء والأبناء، النساء والرجال، الذين كانوا في طريقهم إلى أعمالهم أو لقضاء حاجاتهم اليومية، ولم يعودوا بعدها أبدًا.

سائق ترلة، فقد السيطرة على مركبته بعد أن غلبه النعاس ـ أو هكذا قال شهود العيان ـ بينما كانت السيارة محملة بآلاف اللترات من الجاز. وبدل أن يسير في مساره، انحرف نحو الاتجاه المعاكس واصطدم بعنف رهيب بميكروباص كان يسير في اتجاهه الطبيعي، لا يحمل سلاحًا ولا يتوقع الخطر.

النتيجة كانت مروّعة.  أصوات استغاثة لم تُنقذ أحدًا، وصراخ لا يسمعه إلا الله. هذا المشهد ليس فيلمًا، بل واقع مرير تكرّر كثيرًا، ولكن في هذه المرة كان الثمن 14 روحًا بريئة.

مع بزوغ فجر ذلك اليوم، كان الناس يتحركون مبكرًا كعادتهم. البعض كان في طريقه لمصنع، والبعض

الآخر ذاهب لعيادة أو مدرسة أو مهمة يومية بسيطة. استقل الركاب ميكروباصًا صغيرًا يربط القرى بطريق الخطاطبة، لم يعلم أحد أن هذا سيكون آخر مشوار في حياتهم.

السائق، كما يقول أهل القرية، معروف بين الناس، رجل في منتصف العمر، يتعامل باحترام، ولا يتهور غالبًا، لكنه لا يملك عصا سحرية تجنبه اصطدامًا قاتلًا قادمًا من مركبة ضخمة في الاتجاه العكسي. أما الركاب، فتتفاوت أعمارهم بين العشرين والستين. امرأة عجوز، شاب في ريعان شبابه، طفلة صغيرة كانت تجلس على حجر والدتها، وجوه اعتادت الظهور في طرقات القرية، وأسماء نُقشت في القلوب، لكنها اليوم أصبحت "ضحايا".

المأساة لم تبدأ لحظة التصادم، بل كانت تتشكل في الغفلة، في الإهمال، في التخطيط السيئ للطرق، في غياب الرقابة، وفي صمت الجميع عن فوضى الطرقات. سائق الترلة، وفقًا للروايات الأولية، لم يكن بكامل وعيه، إما بفعل الإرهاق، أو شيء آخر أكثر خطورة.

طريق الخطاطبة، خاصة المنطقة ما قبل الكارتة، ليس جديدًا على الحوادث. أهالي

المنطقة طالما اشتكوا من سوء التنظيم، غياب العلامات الإرشادية، الإضاءة الضعيفة، وانعدام الرقابة الفعلية. بعض السائقين يسيرون كأنهم وحدهم على الطريق، بسرعات جنونية دون مراعاة لأي قواعد أو أرواح.

لا وجود لكاميرات مراقبة ترصد المخالفات. لا دوريات مرورية كافية. الطريق طويل ومفتوح، والسائقون يشعرون بأنهم في مضمار سباق لا حساب فيه. حوادث الميكروباصات مع النقل تتكرر بانتظام، ولا أحد يتحرك.

ما يزيد الطين بلة، أن عربات النقل الثقيلة تسير بجوار السيارات الصغيرة دون فواصل حقيقية أو موانع أمان. هذا الطريق لا يرحم، والكل فيه معرض للموت، لكن الفقراء هم أول من يدفع الثمن.

روى أحد شهود العيان، الذي كان يقود خلف الحادث بمسافة قصيرة، قائلاً: "شفت الترلة وهي خارجة فجأة من الحارة بتاعتها، كانت رايحة على الميكروباص مباشرة. مفيش ثواني، وسمعت صوت ارتطام عنيف، وبعدها صمت رهيب، الدخان مالي المكان، والناس بتجري على الجثث".

وأكد آخر أن السائق ربما كان نائمًا، أو مخدرًا،

لأنه لم يكن هناك أي محاولة فرملة أو تفادي، بل انزلاق كامل في الاتجاه الآخر. "الترلة دخلت كأنها متعمدة، زي طلقة طلعت غلط، وأصابت هدفها في القلب".

بعض المارة أسرعوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الميكروباص كان شبه محطم بالكامل. البعض لم يُتعرف عليه بسهولة، المكان كأنها مشهد من مجزرة.

في مثل هذه الحوادث، تُلقى اللوم عادة على السائق فقط. ولكن هل المشكلة تنتهي عنده؟ سائق الترلة قد يكون مذنبًا، ولكن ماذا عن طريقٍ لم يُصمم لحماية الناس؟ ماذا عن غياب التشريعات الصارمة التي تمنع قيادة النقل الثقيل وقت الذروة؟ وماذا عن غياب الفحص الدوري الإجباري للسائقين؟!

الحقيقة أن المشكلة مركّبة. سائق يفتقد للضمير، نظام رقابي غائب، طرق غير مؤهلة، ووزارة نقل لا تستجيب بسرعة. في النهاية، الأرواح تزهق، والعدالة تُدفن مع الضحايا.

العدالة في هذه القضية لا تقتصر على معاقبة شخص، بل يجب أن تكون بداية لإعادة هيكلة كاملة لطرقنا، لقوانين المرور، للمحاسبة الجادة، وللتعامل مع سائقي

النقل كأصحاب مسؤولية عظيمة.

تم نسخ الرابط