رويدا عروسة الجنة
فيها دعيلك يا أمي هنرجع بسلام.
كانت تركب الميكروباص مع زميلاتها كلهن فتيات في عمر الزهور يحملن أحلاما مشابهة. لم تكن تشكو من التعب كانت تقول الشقى مش عيب العيب إني أمد إيدي لحد. كلماتها كانت تخرج من القلب وتغرس في قلوب من حولها احتراما ومحبة.
في ذلك الصباح كانت مستعدة أكثر من أي يوم مضى. ارتدت ملابسها بسرعة تناولت لقمة خفيفة وقبلت يد والدتها ثم همست في أذنها ادعيلي يا أمي النهارده في شغل كتير. كانت فرحتها غامرة لأنها كانت ستحصل على أجر يوم مضاعف.
لكن الغريب أن عينيها كانت فيهما لمعة غير مألوفة وكأنها تودع الحياة وهي لا تدري. لم تعرف الأم أن هذا آخر وداع ولم تكن تعلم أن الدعاء سيكون
في الطريق كانت السيارة تسير كالمعتاد. كانت الفتيات يتحدثن ويضحكن بعضهن يخططن للزواج وأخريات يحلمن بشراء هاتف أو فستان جديد. وفجأة انقلب المشهد. سيارة نقل ضخمة تسير بسرعة جنونية صدمت الميكروباص بكل قسوة.
الصرخات الدماء والزجاج المتناثر في كل مكان. دقائق مرت وكأنها دهور. توقف الزمن وتحول الحلم إلى كابوس والضحك إلى بكاء. رويدا كانت من أوائل من لفظوا أنفاسهم. لم تمنح حتى فرصة الصراخ كانت النهاية سريعة ومؤلمة.
وصل الخبر للقرية مثل الصاعقة. أمها انهارت والدها أصيب بحالة ذهول. لم يصدق أحد أن رويدا التي كانت قبل ساعات تضحك وتخطط لحياتها أصبحت جثة هامدة ملفوفة في كفن.
توافد الأهالي نساء يلطمن وجوههن رجال يبكون كالأطفال. الجيران كانوا يحضنون والدتها ويقولون دي كانت بتضحك الصبح يا ناس دي كانت لسه عروسة. حتى أصحاب المصنع بكوا لفقدانها وقال أحدهم كانت أطيب قلب فينا.
خرجت جنازة رويدا من بيتها لكن لم تكن جنازة عادية كانت جنازة عروس. فستانها الأبيض علق على باب البيت لكن لم يلبس. زين الطريق بالزهور ولكن ليس للفرح. مشى خلفها كل أهالي القرية رجالا ونساء حتى من لا يعرفها خرج يودعها.
الأم صرخت صرخة تخلع القلب كنت بجهزك بالحب ولبستي الكفن يا بنتي!
الجيران قالوا دي عروس الجنة ربنا اصطفاها في أطهر لحظة.
على مواقع التواصل كتب الآلاف عن رويدا. صورها انتشرت ودعوات
دعوات بالرحمة كلمات مواساة وحزن عام خيم على الناس. كانت القصة صادمة لكنها جعلت الجميع يتوقف لحظة ويفكر في هشاشة الحياة وقوة الأحلام التي تنكسر فجأة.
ما حدث لرويدا ليس مجرد حادث بل جرس إنذار لمجتمع بأكمله. فتاة نزلت تشتغل بشرف عشان تساعد نفسها وأهلها لقت مصير مأساوي في طريق يجب أن يكون آمنا. الحوادث لم تعد أرقاما بل أرواحا تزهق كل يوم دون
أن يتغير شيء.
رويدا عروس الجنة لم تلبس فستان الفرح لكننا نؤمن أنها الآن تبتسم في مكان أجمل ورب كريم عوضها عن تعب الدنيا