الشاعر السوداني إدريس جمّاع.. شاعر سوداني ﻓﻘﺪ ﻋﻘﻠﻪ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺃﻳﺎﻣﻪ ﻭ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻫﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﺎﻟﺠﻮﻩ ﺑﺎﻟﺨﺎﺭﺝ

لمحة نيوز

إن حظي كدقيق فوق شوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريحٍ اجمعوه
عظم الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه
إن من أشقاه ربي كيف أنتم تُسعدوه

وقد أصبحت هذه الأبيات أشبه بصرخة إنسانية، تعبّر عن الإحباط، والفقد، والعجز أمام تقلبات الحياة. وكأن إدريس كان يعبّر ليس فقط عن نفسه، بل عن آلاف الأرواح التي تنهكها الدنيا دون أن تجد من يحتضنها.

رغم مرضه، ظل إدريس جماع شاعرًا متوهجًا حتى آخر أيامه، وكان يدهش أطباءه بكلماته التي كان يُلقيها كأنها من عالم آخر. ورحل عن الدنيا في سن مبكرة، لكن إرثه الشعري ظل خالدًا. لم يكن إدريس جماع مجرد شاعر، بل كان صوتًا للضعفاء، وهمسًا للرومانسيين، وصورةً حية لعبقرية الإنسان حين تصارعها الحياة، لكنها لا تكسرها تمامًا.

إدريس جماع لم يكن مجرد شاعر،

بل كان حالة إنسانية فريدة ومؤثرة، تُجسد قمة التناقض بين النبوغ والوجع، وبين العبقرية والخذلان. وُلد في السودان، ونشأ في بيئة بسيطة، فقد والده صغيرًا، واضطر للعمل في سن مبكرة لمساعدة أسرته، لكن موهبته الشعرية ظهرت سريعًا، وأثبتت أن الألم قد يكون وقودًا للإبداع.

تابع دراسته رغم الصعوبات حتى التحق بكلية دار العلوم في القاهرة، وهناك انفتحت أمامه أبواب الأدب والثقافة، فتشكّلت لغته، ونضجت رؤيته، وأصبح شاعرًا له أسلوبه الخاص في التعبير عن الحب والجمال والمعاناة. عُرف بإحساسه العالي، وكلماته التي تخترق القلوب، حتى قيل عنه إنه الشاعر الأكثر رقة في السودان والعالم العربي.

لكن خلف هذا البريق، كانت هناك مأساة صامتة تتشكل في الظل، فإدريس بدأ يعاني من اضطرابات نفسية في أواخر

حياته، جعلته يدخل مستشفى الأمراض العقلية. لم تمنعه حالته من قول الشعر، بل إن بعضًا من أعظم أبياته خرجت في تلك الفترات، في لحظات أشبه بالوحي الإلهي، ومنها القصيدة التي ألقاها في المطار حين رأى امرأة جميلة فأنشد:

"أعلى الجمال تغار منّا، ماذا علينا إذا نظرنا؟
هي نظرة تُنسي الوقار، وتُسعد الروح المعنّى"

تأثر الناس بهذه الأبيات، وكان من بينهم الأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي قال بعدما علم أنها من نظم إدريس: "هذا مكانه.. لأن هذا الكلام لا يصدر عن عقل عادي"، في إشارة إلى العبقرية الخارقة التي لا يعرفها سوى أصحاب الأرواح المرهفة.

ثم جاءت القصة المؤثرة في مستشفى لندن، حيث أُعجب إدريس بعيني ممرضته، فأمر الطبيب بوضع نظارة سوداء على عينيها. فما كان من إدريس إلا أن

قال:

"والسيف في الغمد لا تُخشى مضاربه
وسيف عينيكِ في الحالين بتّارُ"

كلمات جعلت الممرضة تبكي عند ترجمتها، وأكدت أن هذا الرجل ليس مريضًا بالجنون، بل عاشقًا للجمال، يُجيد تصويره في أعذب الصور وأرق الكلمات.

وقد كانت أجمل أبياته تلك التي كتبها وكأنها تنبؤ بمصيره:

"إن حظي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريحٍ اجمعوه
عظم الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه
إن من أشقاه ربي كيف أنتم تُسعدوه"

كأن إدريس كتب عن كل إنسان يعاني بصمت، عن كل من وُضع في امتحان الحياة دون رحمة. عن الذين لا يُنصفهم العالم، رغم نقاء قلوبهم وجمال أرواحهم.

رحل إدريس جماع مبكرًا، لكن قصته ظلت حية تُروى، وأشعاره باقية تُتلى، لأنها خرجت من قلب عاش الحياة بأقصى درجات الإحساس، فاستحق أن

يظل في الذاكرة رمزًا للجمال والحزن، والعبقرية المغلّفة بالوجع.

تم نسخ الرابط