ماهو اللحم الذي لايشترى ولايباع و يأكله الناس بكثرة رغم أنه حرام

لمحة نيوز

قد يبدو السؤال غريبا عند أول وهلة ما هو اللحم الذي لا يشترى ولا يباع ويأكله الناس بكثرة رغم أنه حرام لكنه في الحقيقة يحمل في طياته واحدة من أخطر العادات التي تمارس يوميا دون وعي أو إحساس بعظم الجرم. إنه لحم الغيبة لحم الكلام عن الناس في غيابهم لحم الأعراض التي تنهش دون سكين والقلوب التي تجرح بكلمات قد تكون أبشع من الطعنات.
الغيبة ليست مجرد عادة اجتماعية سيئة بل هي معصية وصفها القرآن بأبشع الصور حين قال تعالى 'أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه'. هذا التشبيه الصادم يكشف مدى قبح الفعل وبشاعته. فكما لا يستطيع أحد أن يتصور نفسه يأكل من جسد إنسان ميت كذلك يجب أن يشعر بالاشمئزاز من أن يتحدث عن غيره بما يكره في غيابه.
ورغم وضوح التحذير الإلهي فإن الغيبة أصبحت مثل الخبز اليومي في أحاديث الناس. تمارس في المجالس في البيوت في أماكن العمل وحتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يتحدث الناس عن بعضهم البعض وكأن أعراضهم مباحة وكرامتهم غير مصونة. وكأن حرمة الكلمة قد اختفت في زحمة السخرية والفضول والحديث غير المسؤول.
ما يجعل هذه العادة

أكثر خطورة هو أنها ترتكب غالبا دون شعور وتحت ذرائع شتى. يقول أحدهم 'أنا أقول الحق فقط' أو 'أنا لا أقول شيئا إلا وهو فيه' لكن النبي ﷺ وضح الأمر حين قال 'ذكرك أخاك بما يكره' فقال أحد الصحابة 'أرأيت إن كان فيه ما أقول' قال ﷺ 'إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته'.
الغيبة من كبائر الذنوب ولا يكفي أن يستغفر الإنسان ربه فقط بل يجب عليه أن يتوب ويطلب العفو ممن اغتابه إن كان ذلك ممكنا لأن الغيبة تهدر كرامة الآخرين وتفرغ الخير من المجلس. وقد وصفها العلماء بأنها تفترس الحسنات كما تأكل النار الحطب وربما يجد الإنسان يوم القيامة صحيفة أعماله خالية من الحسنات بسبب غيبته للناس.
والمخيف في الأمر أن الغيبة لا تقتصر على الكلام بل تشمل الإيماء الإشارة التلميح
والسخرية الصامتة. فكل ما يظهر العيب أو يسيء لشخص غائب يدخل تحت هذا الباب الخطير. حتى التهكم على الصور أو التعليق على لباس أحد أو صوته أو تصرفاته يعد غيبة ما دام الإنسان غائبا ولا يحب سماع هذا عن نفسه.
ما الدافع وراء الغيبة غالبا ما تكون الغيرة الحسد الكبر أو التسلية
الفارغة هي المحرك الرئيسي لهذا السلوك. وقد يكون السبب أحيانا محاولة إثبات النفس عن طريق تقليل قيمة الآخرين. لكن الحقيقة أن من يغتاب يظهر ضعفه الداخلي وأنه لا يملك من القيمة الذاتية ما يكفي ليصمت عن الناس وينشغل بإصلاح ذاته.
علم النفس الحديث يؤكد أن الشخص الذي يكثر من الغيبة يعيش في اضطراب داخلي وغالبا ما يشعر بعدم الرضا عن نفسه فيلجأ إلى الحديث عن الآخرين كنوع من التفريغ السلبي. لكن هذا النوع من التفريغ لا يشفي بل يزيد النفس ظلمة وثقلا. فكل غيبة تثقل القلب وتعكر الصفو الداخلي وتزيد من التوتر والعزلة.
مجتمعيا الغيبة كارثة. فهي تفرق القلوب تشعل نار الفتن وتخلق الشكوك بين الأصدقاء والجيران وحتى أفراد العائلة. كم من علاقات تحطمت وصداقات انتهت وأسر تفككت بسبب كلمة خرجت في غيبة إنسان بل إن المجتمعات التي تشيع فيها الغيبة تضعف فيها الثقة وتفقد الأمان الاجتماعي.
من الناحية الدينية لا توجد معصية ذكرت بهذا التصوير البشع في القرآن إلا الغيبة وهو دليل قاطع على فظاعتها. وإذا أراد الإنسان أن يطهر قلبه ولسانه فعليه أولا أن يقلع عن الغيبة
ويتوب عنها ويعود نفسه على الحديث الطيب وعلى التماس الأعذار للناس وعدم التجسس على عيوبهم.
والعجيب أن الغيبة أصبحت تبرر تحت أسماء مختلفة نقد تحليل فضفضة رأي شخصي... لكنها تظل غيبة ما دامت تقال في غياب الشخص وبما يكره سماعه. حتى في الإعلام نرى الكثير من البرامج والمحتوى الذي يعتمد على انتقاد الناس والتشهير بهم دون مراعاة لأي ضوابط شرعية أو أخلاقية وكأن هذا أصبح فنا يكافأ عليه البعض.
الحل الحقيقي يبدأ من إدراك حجم المشكلة ومن تدريب النفس على السكوت عن الناس والانشغال بالذات.
من أراد أن يرتقي في نظر الله والناس فليملأ لسانه بالذكر ويديه بالعمل وعقله بالتفكر لا بالغرق في عيوب الآخرين. فكل دقيقة تضيعها في الغيبة تخسر بها من رصيدك الأخلاقي والديني والاجتماعي.
اجعل لسانك سبحة لا سكينا. تحدث عن الخير عن الإنجازات عن الأفكار عن المستقبل واترك الناس وشأنهم. من أراد النور لن يجده في تتبع العيوب بل في إصلاح ما في داخله وتصفية نواياه وتجميل حديثه. فالكلمة الطيبة صدقة والساكت عن الغيبة مبارك والمدافع عن عرض أخيه محبوب عند الله.

لمشاهدة

الفيديو 

تم نسخ الرابط