قصة الخبز والملح
سبحان من يخبئ لنا أقدارا في طيات الألم لو لم أفقد بيتي وأمي لما وصلت بغداد ولو لم أذل أمام قصرك لما وجدت نفسي ولو لم أرفض كيس النقود لما فتح لي باب عز أوسع من أبواب البشر
فرد البغدادي والدمعة في عينه
بل أنت من علمني ما معنى أن يحفظ الإنسان الخبز والملح كنت أظن أني أنقذك من الفقر فإذا بك تنقذني من نفسي من كبريائي من عجرفتي وأما ابنة عمك فما كانت يوما لي لقد كانت لك منذ أول نظرة وكل ما فعلناه أنا وأبي وأمي كان من أجلك كي تكرم أمامها لا أن تهان
ثم اقتربت ابنة العم وقالت بنبرة حزينة
حين أخذني مع زوجي إلى بغداد لم أفرح كما تظن كنت أعلم أن قلبك انكسر في تلك اللحظة وكنت أدعو الله كل ليلة أن يرد لك ما فقدت وألا أكون سببا في ألمك
فنظر إليها الشامي وقال
لم تكوني سببا في ألمي بل كنت سببا في أن أتعلم كيف أصبر وكيف
ثم التفت إلى البغدادي وقال له بابتسامة لم يرها عليه أحد منذ زمن
أتعلم ما الذي فعله نصف الرغيف لقد علمني أن الخير الذي تزرعه في الناس يعود إليك يوما ولو بعد حين علمني أن من يحفظ المعروف يحفظ له المعروف وأن الأرزاق بيد الله لا تحسب بما في الجيوب بل بما في القلوب
ثم نهض البغدادي وأخذ نصف الرغيف الثاني من جيبه وقال
هل تعلم لماذا كنت أترك النصف الثاني من الرغيف في المطعم
أجاب الشامي
نعم كنت تقول لا أجد من يستحق أن يشاركني النعمة
قال البغدادي
واليوم وجدت وجدت الرجل الذي يستحق أن يأكل النصف الثاني ليس لأنه جائع بل لأنه رجل لا يركع إلا لله
فجلسا معا وتناولا النصف الآخر ثم قال البغدادي
اليوم أكتمل الرغيف اليوم فقط
مرت
جاءني رجل ذات يوم لم يدخلني قصره لكنه أدخلني قلبه فصار لي بعد الله ما لم أحلم به
وكان القصر لا يخلو من ضيوف الغرباء والمساكين وكان البغدادي لا يفارقه وصار أخا بالمعروف أقرب إليه من النسب
أما ابنة العم فعاشت مع زوجها الحقيقي الذي لم يتخل عنها حين رحلت بل دعى لها وبنى لها قصرا من الوفاء قبل أن يبني جدرانا من الحجارة
وفي أحد الأيام جلس الشامي في باحة قصره ومعه حفيدته الصغيرة فأخرج من جيبه نصف رغيف قديم ملفوف في خرقة بيضاء وقال لها
يا صغيرتي احفظي هذا هذا ليس خبزا فقط هذا وفاء هذا وعد هذا عهد هذا عمر طويل تعلمت فيه أن لا شيء أعظم من أن تطعم أحدهم وتقول له أنا معك
ثم خبأه في صندوق صغير
حين أكبر وتكبرين افتحيه وقولي لمن بعدك هذا نصف الرغيف الذي غير مجرى حياة رجل وحفظ قلبه من الضياع
وهكذا ظل نصف الرغيف حكاية تروى لا تؤكل
رمزا أن الخبز والملح ليسا مجرد طعام بل عهد لا ينقض ووفاء لا يباع
ومن يومها صار كل من يدخل بيت الشامي يسمع القصة من حفيدته التي تحفظها عن ظهر قلب وتقول في نهايتها
هذا نصف الرغيف أنقذ قلبين وصنع أسرة وأقام رجولة لا تشتريها الأموال
وصار الناس إذا اختلفوا أو تباعدوا أو خان أحدهم العهد يقال لهم
تذكروا الخبز والملح تذكروا نصف الرغيف
فمن يحفظ المعروف
يحفظه الله ويرفعه ويجعل له من كل ضيق فرجا ومن كل كسر جبرا ومن كل حرمان نصيبا لم يكن في الحسبان
وتختم الحكاية بدعاء
اللهم ارزقنا صحبة من يحفظون الخبز والملح ويصونون العشرة ويكرمون المعروف ولا يبيعون