شقة ليلى مراد
في قلب القاهرة، بين شوارع جاردن سيتي الهادئة التي تنام على بقايا التاريخ، تختبئ شقة صغيرة ذات غرفتين فقط. قد تمرّ من أمامها دون أن تلحظها، لكن داخل هذه الجدران عاش صدى من كان يومًا صوت مصر الأول... ليلى مراد.
شقة بسيطة لا تشبه القصور ولا تتباهى بثريات فاخرة أو ديكورات فنية، لكنها تحمل بين جدرانها شيئًا أعظم من الذهب: روح فنانةٍ أحبتها الملايين، ثم نُسيت في صمت، كما تُنسى الأوراق في أدراج الزمن.
في عام 1995، رحلت ليلى مراد عن الدنيا. بعد عمر حافل بالأضواء والنجاح، جاءت سنواتها الأخيرة في عزلة غريبة، داخل هذه الشقة الصغيرة بجاردن سيتي. لكن الغريب أن قصة هذه الشقة لم تنتهِ بوفاتها… بل بدأت بعدها.
فمنذ وفاتها، بدأ السكان والجيران يتهامسون: هناك همسات غنائية في منتصف الليل، أصوات أشبه ببروفات قديمة… ومَن يجرؤ على الاقتراب من الباب في هذا الوقت، قد يسمع نغمة من نغماتها الخالدة تمرّ كما النسيم، ثم تختفي.
شهادات حية:
"أنا مش لوحدي في الشقة!"
مالك الشقة الحالي، رجل اشترى المكان بدافع حبّه للزمن الجميل، قرر أن يُبقي كل شيء كما هو احترامًا لصاحبة المكان. لم يغيّر الأثاث، ولم يزيل الصور. لكن ما وجده كان أغرب مما توقّع.
قال:
"في أول أسبوع من سكني، حاولت أغيّر ترتيب المكتبة، لكن الكتب وقعت لوحدها. حركت صورة ليلى، لقيت صورة تانية بتقع. وليلًا، بحس إن في طيف طيب موجود… مش مؤذي، بس حاسس إني مش لوحدي خالص."
هذه الشهادة ليست الوحيدة.
يقول أحد الحراس القدامى للبناية:
"أنا حارس هنا من أيام ليلى مراد. بس بعد ما ماتت، أحيانًا بسمع صوت غناها بالليل. مش مخيف… بس يخلي الجسم يقشعر. وكأنها بتغني لجمهورها من تاني."
وجارة عجوز تسكن في نفس الطابق تحلف بأنها رأت "ظل امرأة" واقفة عند نافذة الشقة ليلاً، تلوّح بيدها كأنها تودّع جمهورًا غير مرئي.
"مش جن… دي طاقة حقيقية"
بعض الصحف المحلية تناولت هذه القصة، ووصفت ما يحدث بأنه "من عمل الجن الطيب أو
ألم تكن ليلى مراد عاشقة للفن حتى الجنون؟ ألم تُغنِّ بصدقٍ جعل الأجيال تحفظ كلماتها كأنها نُقشت في الذاكرة؟
ليلى مراد ليست مجرد مطربة أو ممثلة، هي أسطورة عاشت المجد والسقوط.
ولدت في 1918 لعائلة فنية، وتألقت في الأربعينيات والخمسينيات. تزوجت من الفنان أنور وجدي، ثم من فطين عبدالوهاب، وأنجبت ابنها الشهير "زكي فطين عبدالوهاب". لكن رغم شهرتها، واجهت تقلبات سياسية، واتهامات باطلة، وإقصاء غير مبرر من الساحة الفنية.
ثم جاءت النهاية: حياة هادئة في شقة متواضعة، بعيدة عن الشهرة، لكن قريبة من الذكرى… ومن الأثر.
قصة ليلى مراد لا تكتمل دون الحديث عن عمارة الإيموبيليا، رمز العصر الذهبي للفن المصري. في هذه البناية الشهيرة، عاش نخبة نجوم الزمن الجميل: نجيب الريحاني، محمد عبدالوهاب، أنور وجدي، ماجدة، فكري
العمارة التي تقع في نقطة التقاء شارعي شريف وقصر النيل، بناها المليونير أحمد عبود باشا عام 1940، بتكلفة خرافية وقتها: مليون و200 ألف جنيه.
تصميمها الفرنسي الراقي، ومساحتها الشاسعة (5444 مترًا مربعًا)، جعلها أشبه بقصر أفلام الأبيض والأسود، حيث يختلط عبق الماضي بصوت عبدالوهاب وهو يضع نوتاته الأولى، أو عبدالحليم وهو يسجل شريطًا غنائيًا جديدًا في أحد المكاتب هناك.
لماذا نصدق القصص؟
قد يقول البعض: "دي خرافات". وربما معهم حق.
لكن، حين تمشي في شارع الفسقية بجاردن سيتي ليلًا، وترفع نظرك نحو نافذة الشقة، وترى لمحة ظل، أو تسمع نغمة باهتة… قد يتسلل إليك إحساس بأن هذه الروح العذبة لا تزال هنا، لأن بعض الأرواح لا تفارق أماكنها ببساطة.
الفن الصادق لا يموت، وكذلك من وهبوا له عمرهم. وليلى مراد، بكل ما حملته من حب وغناء ودموع، لم تكن مجرّد مطربة… بل كانت حالة،
هل تجرؤ على زيارة الشقة؟
لمشاهدة الفيديو