لماذا نهي النبي عن التبتل وما هو التبتل؟!
في المجتمعات التي شاعت فيها ثقافة التبتل، ظهر خلل واضح في البنية الاجتماعية، إذ بدأت الأسر تقل، وبدأ التوتر العاطفي ينتشر، حتى في الأوساط التي تسعى للعبادة. فليس من الدين أن يُحرَم الإنسان من الحلال، وليس من التقوى أن تُهمل العلاقات الإنسانية التي فطر الله الناس عليها.
قد يتبادر إلى الذهن أن بعض الصحابة اختاروا عدم الزواج، مثل الصحابية رابعة العدوية، أو بعض العُبّاد، ولكن هؤلاء لم يروّجوا لهذا الخيار، ولم يُقدّموه على أنه السبيل الأوحد للطهر أو القرب من الله، بل كانت ظروفهم الخاصة، أو حالتهم النفسية والروحية هي ما جعلتهم يسلكون هذا المسار، دون أن يجعلوه قاعدة أو سنة.
النهج الذي قدّمه النبي ﷺ في هذا السياق كان نهجًا واقعيًا،
في ضوء الحياة المعاصرة، نجد أن كثيرًا من الشباب يتأخرون في الزواج، لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، وأحيانًا لأسباب نفسية. لكن الأمر يزداد سوءًا عندما يتحوّل هذا التأخير إلى قرار دائم، أو حين تُبنى عليه أفكار مغلوطة، مثل أن الزواج يمنع النجاح أو يشتت التفكير. مثل هذه الأفكار لا تختلف كثيرًا في جوهرها عن مفهوم "التبتل" الذي نهى عنه النبي ﷺ،
في واقعنا الحالي أيضًا، تسللت بعض المفاهيم الدينية المغلوطة إلى بعض الفئات، حتى باتت ترى أن الطهارة لا تُكتسب إلا من خلال البُعد عن الزواج. وللأسف، فإن هذه الرؤية تُشجّع على الكبت العاطفي، وتهمل ما أمر الله به من بناء الأسر، والعفاف، والمشاركة العاطفية الحلال.
توازن الإسلام في هذا الجانب لم يُضاهيه أي نظام آخر. ففي بعض الديانات الأخرى يُنظر إلى الرهبنة وترك الزواج على أنها درجة أعلى من الإيمان، بينما الإسلام رأى أن الطريق إلى الله لا يعني حرمان النفس، بل تنظيم رغباتها. ولهذا، نجد أن النبي ﷺ لم ينصح الشباب بالتبتل، بل قال: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، وجعل من الزواج وسيلة للتحصين،
التبتل بوصفه انقطاعًا عن العلاقات الزوجية ليس فقط مخالفًا للشرع، بل هو مدمر على المستوى النفسي. إذ أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يعيشون عزلة عاطفية طويلة يكونون أكثر عرضة للتوتر، الاكتئاب، وفقدان التوازن الاجتماعي. والإنسان، بطبيعته، كائن عاطفي يحتاج إلى من يشاركه حياته، لا ليشغله عنها، بل ليكون معينًا له على الطاعة والاستقرار.
في نهاية المطاف، فإن النهي النبوي عن التبتل هو دعوة إلى الاعتدال، وهو تصحيح لفكرة خاطئة قد تسيطر على من ظنوا أن القرب من الله يُبنى على الانعزال. فالحقيقة أن الله خلق الإنسان ليمارس الحياة بكامل جوانبها، بروح طاهرة، وبنية سليمة، ضمن إطار من الحلال الذي لا يشوبه حرمة ولا يخالطه إثم.
لمشاهده