لماذا إختار الله سبحانه وتعالى الغــراب ليعلم الإنسان طريقة الدفن

لمحة نيوز

في مشهدٍ خالد، أورد القرآن الكريم واقعة تهزّ القلب وتدفع للتأمل، عندما تخلص قابيل من أخاه هابيل، ووقف حائرًا أمام جثته لا يعرف ماذا يفعل. ولأن هذه أول جريمة تقع على الأرض، لم يكن هناك سابق تجربة للدفن. فبعث الله سبحانه وتعالى غرابًا ليبحث في الأرض أمام قابيل، فيرِيه كيف يواري سوأة أخيه. كانت تلك اللحظة ليست مجرد تعليم لطريقة دفن الجثة، بل كانت درسًا إلهيًا في الندم، والكرامة، والإنسانية، جاءت من مخلوق قد لا نلتفت إليه كثيرًا: الغراب.

ولعل أول ما يثير التساؤل هو: لماذا الغراب؟ ولماذا لم يُرسل الله ملاكًا أو يُلهم قابيل مباشرة؟ الإجابة تحمل بُعدًا عميقًا يتجاوز المشهد الظاهري. فالله تعالى لا يختار عبثًا، وكل كائن على وجه الأرض يؤدي دورًا في منظومة خُلقت بدقة متناهية. واختيار

الغراب كان لحكمة شديدة البلاغة والرسوخ في المعنى.

عندما نقترب أكثر من عالم الغراب، سنكتشف مفاجآت مذهلة. فالغراب ليس طائرًا عاديًا، بل هو من أذكى الكائنات على الإطلاق. العلماء اليوم يضعونه على رأس قائمة الطيور الذكية، بل ويرون أن بعض أنواعه يمتلك مستوى من الذكاء يشابه طفلًا بشريًا في عمر السابعة. هذا الطائر يستطيع استخدام أدوات، ويحلّ المشكلات المعقدة، ويتذكر الوجوه، بل ويُظهر سلوكًا اجتماعيًا معقّدًا لا نجده عند كثير من الحيوانات.

لكن الأعجب من ذلك، هو أن الغراب في طبيعته يمارس ما يشبه طقوس الدفن! نعم، لقد رصد العلماء سلوك الغربان وهي تحيط بجثة غراب ميت، تتأمله بصمت، ثم في أحيان كثيرة، تبدأ بتغطيته بالأوراق أو التراب أو تخفيه بعيدًا. وكأنها تُقيم جنازة رمزية تعبّر بها عن شعور

الفقد. وهذه الحقيقة العلمية الحديثة تُلقي بظلالها على المعجزة القرآنية، إذ أن الله لم يرسل غرابًا عبثًا، بل أرسل مخلوقًا فُطر على احترام الموت.

قابيل، بعد أن أزهق روحًا بشرية لأول مرة في التاريخ، لم يكن يعرف كيف يتعامل مع الجثة. كان مأخوذًا بالصدمة، تائهًا في صحراء الذنب، حتى أرسل الله له الغراب في مشهدٍ صامتٍ، لكنه بالغ التأثير. الغراب لم يتحدث، لم يُلقِ موعظة، لم يوبّخ، بل فقط قام بفعلٍ عمليّ: بدأ يبحث في الأرض، ويُعدّ حفرة، ثم يدفن طائرًا ميتًا، بطريقة أوحت لقابيل ماذا ينبغي أن يفعل. هنا أدرك المخطئ أنه أقلّ شأنًا من هذا الطائر، وقال كلمته الشهيرة التي سجّلها القرآن: "يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي؟".

إن الدرس لم يكن عن "كيف يُدفن الميت" فحسب، بل كان

درسًا عن التواضع، عن الاستفادة من المخلوقات من حولنا، عن الاعتراف بالخطأ، وعن البدء من جديد ولو بعد الجريمة. لقد كان اختيار الغراب – في رمزيته، ولونه، وسلوكه، وذكائه – درسًا تربويًا بحد ذاته. فهو طائر لونه أسود، كثيرًا ما ارتبط في ثقافات البشر بالتشاؤم أو الحزن أو الموت، ومع ذلك فإن الله أعطاه شرفًا عظيمًا: أن يكون أول مُعلّم للإنسان.

تأمل الآن كم يحمل هذا الطائر من الدروس. فبالإضافة إلى كونه ذكيًا، فإنه كائن اجتماعي، يعيش في جماعات مترابطة، ويتعاون في البحث عن الطعام، ويدافع عن صغاره. بل إنه في بعض الحالات، يعلّم صغاره كيف يصطاد أو كيف يتعامل مع الخطر عن طريق المحاكاة والتقليد. ومن هذا السلوك جاء أيضًا أسلوب الله في التعليم لقابيل: تعليم بالفعل لا بالقول، تعليم حيّ بالصورة

لا بالكلام.

تم نسخ الرابط