امي عاشت معنا...حكأيات الهواري
الأيام عدت، والشراكة نجحت، والعلاقة بينهم كبرت، بس المرة دي ياسين كان بيتعلم، ما بقاش يندفع، ولا يثق بسرعة، كان بيبص للأفعال مش الكلام، والحاجة كريمة كانت بتراقب من بعيد، لحد ما في يوم قالت له: “دي بنت أصول يا ياسين… بس المرة دي افتح عينك وقلبك مع بعض”، ابتسم وقال لها: “المرة دي أنا اتعلمت يا أمي”.
ومع مرور الوقت، القصر اللي كان شاهد على أسوأ لحظة في حياته، بقى شاهد على بداية جديدة، بداية فيها نضج وقوة، وأهم من كل ده، فيها وفاء حقيقي، وياسين بقى يحكي قصته لأي حد قريب منه، مش علشان يبان قوي، لكن علشان يفكر نفسه دايمًا إن الغلطة اللي بتتساب من غير ما نتعلم منها، بتتكرر، وإن أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان مش الفلوس ولا النفوذ… لكن الناس اللي بتحبه بصدق.
وفي ليلة هادية، كان ياسين قاعد جنب أمه في الجنينة، والنسمة الخفيفة بتحرك ورق الشجر حواليهم، وصوت العصافير مالي المكان بهدوء. كان باصص لوشها اللي بقى فيه ملامح التعب، لكنه لسه محتفظ بنفس الحنية اللي عمره ما لقاها في أي مكان تاني.
مد إيده ومسك إيدها بين إيديه، وفضل ساكت شوية، كأنه بيحاول يلاقي كلام يقدر يعبّر بيه عن كل اللي جواه. وبعدين بص لها بعينين مليانين دموع وقال بصوت واطي:
«أنا كنت هخسرك يا أمي… كنت هخسر أكتر إنسانة بتحبني بجد، وأنا مش واخد بالي من اللي بيحصل حواليا. كنت فاكر إني فاهم الدنيا والناس، لكن اكتشفت إني كنت أعمى عن حاجات كتير».
أمه ضغطت على إيده بحنان، وابتسمت ابتسامة هادية، وقالت له:
«المهم إنك فوقت يا ابني، وإن ربنا كتب لنا فرصة نبدأ من جديد. الإنسان ساعات بيتعلم بالطريقة الصعبة، وبيحتاج يقع عشان يعرف مين اللي كان واقف جنبه بجد، ومين اللي كان مستني اللحظة اللي يقع فيها».
نزل ياسين عينه للأرض، وافتكر كل اللحظات اللي شك فيها في أمه، وكل مرة كان ممكن يسمعها فيها لكنه اختار يصدق كلام غيرها. حس بوخزة في قلبه، وقال لها:
«سامحيني يا أمي على كل مرة زعلتك فيها، وعلى كل مرة خليتك تحسي إنك لوحدك. أنا عارف إن كلمة آسف مش هتقدر تمسح اللي حصل، بس أوعدك إني عمري ما هسمح لنفسي أكرر نفس الغلطة تاني».
ردت عليه وهي بتمسح دمعة نزلت على خدها:
«أنا أمك يا ياسين، وقلبي عمره ما عرف يشيل منك. بس عايزاك تتعلم إن الحب مش مجرد كلام حلو، وإن مش كل شخص بيقرب منك بيكون عايز لك الخير. فيه ناس بتعرف تدخل القلب بكلمتين، وفيه ناس بتثبت محبتها بالمواقف، حتى لو ما قالتش كلمة واحدة».
رفع ياسين راسه وبصلها، فقالت له بهدوء:
«اللي بيني وبينك عمره ما يضيع يا ابني، بس خلي بالك، مش كل اللي يضحكلك بيحبك، ولا كل اللي يحبك يعرف يضحكلك. ساعات اللي بيخاف عليك بجد بيقول لك كلام يزعلك، وساعات اللي بيجاملك بيكون بيخبي عنك الحقيقة. عشان كده، ما تحكمش على الناس من كلامهم، احكم عليهم من أفعالهم وقت الشدة».
ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة، وهز راسه وقال:
«المرة دي فهمت الدرس كويس يا أمي. اتعلمت إن الثقة مش معناها إني أصدق أي حد، وإن القرب مش دليل على المحبة، وإن الإنسان لازم يحافظ على الناس اللي بتحبه بصدق، قبل ما ييجي يوم ويتمنى لو كان رجع الزمن عشان يصلح اللي كسره بإيده».
سند راسه على كتفها، وفضلوا قاعدين سوا من غير كلام. ما كانش محتاج يشرح لها أكتر، وهي ما كانتش محتاجة تسمع منه وعود كتير. وجودهم جنب بعض كان كفاية، بعد كل الخوف والوجع اللي مروا بيه.
وبعد شوية، رفع ياسين عينه للسما، وشاف النجوم اللي بدأت تظهر واحدة واحدة، وحس براحة غريبة عمره ما حسها قبل كده. لأول مرة من فترة طويلة، ما كانش مشغول بإرضاء الناس، ولا خايف من كلامهم، ولا بيحاول يثبت لأي حد إنه على حق.
كان كل اللي يهمه إنه يصلح أخطاءه، ويحافظ على أمه، ويعيش من غير ما يظلم حد أو يسمح لحد يبعده عن الناس اللي بتحبه بصدق.
وفي اللحظة دي، فهم إن الإنسان ممكن يخسر فلوس، أو شغل، أو علاقات كان فاكر إنها هتدوم العمر كله، لكن أصعب خسارة هي إنه يخسر نفسه وراحة ضميره وهو بيحاول يرضي الناس الغلط.
ضحك ياسين وبص لأمه وقال:
«الحمد لله إن ربنا نجاني، واداني فرصة أفهم قبل ما أخسرك للأبد».
ابتسمت أمه وربتت على إيده، وهو فضل ماسكها كأنه بيأكد لنفسه إن اللحظة دي حقيقية، وإنه أخيرًا رجع للمكان اللي كان المفروض ما يبعدش عنه أبدًا.
وفي الليلة دي، ياسين ما كسبش مجرد فرصة جديدة، لكنه كسب درس عمره ما هينساه: إن أغلى نعمة ممكن تكون موجودة في حياتك قدام عينيك، لكنك ما تعرفش قيمتها غير لما تحس إنك ممكن تخسرها.
وأخيرًا، بقى عنده كل حاجة كان محتاجها فعلًا… وأهمها قلب مرتاح، وضمير هادي، وأم لسه فاتحة له حضنها مهما أخطأ في حقها.