قصة المليادير عدنان محمد خاشقجي
ملوك الأرض سيأتي عليه يوم لا يجد فيه ثمن تذكرة سفر
لكن دوام الحال من المحال والتاريخ لا يرحم أحدا.
حدث ما لم يكن في الحسبان
فيضانات ضخمة ضربت ولاية يوتاه الأمريكية وهناك كانت استثمارات عدنان خاشقجي في مجال مناجم الألماس.
المناجم غرقت والإنتاج توقف والخسائر تساقطت عليه كأمطار الشتاء القارس.
توقفت الصفقات انهارت الشركات تجمدت أرصدته وبدأت الدعاوى القضائية تتوالى عليه من كل حدب وصوب.
لم تكن الضربة المالية فقط بل كانت ضربة نفسية وسقوطا في العزة والجاه والهيبة التي بناها لعقود.
الرجل الذي كان يقف خلف أبواب الزعماء والرؤساء
تحول إلى رجل يبحث عن سكن صغير في إحدى زوايا القاهرة ويراسل صديقا قديما ليقرضه مبلغا يكفي إيجار شقة مفروشة!
يروي المقربون من عدنان خاشقجي أنه في إحدى ليالي مجده دخل عليه أحد خدمه المتواضعين كان مغتربا من دولة فقيرة وطلب منه مبلغا صغيرا ليساعد زوجته التي كانت بين الحياة والموت.
طلبه لم يكن تبرعا بل كان قرضا يسدد من راتبه.
لكن عدنان بعجرفته المعهودة أذل الرجل وطرده ليلا وقال له باحتقار
اطلع من قصري! أنا ما عندي وقت أتصدق على بشر.
فخرج الرجل مقهورا مظلوما ووقف عند بوابة
أسأل الله العلي العظيم ألا يميتني حتى أراك ذليلا تمد يدك للناس كما طردتني يطرد قلبك ومالك ومقامك!
لم يهتم خاشقجي حينها.
ضحك وواصل حياته كما يشاء لكن ما لم يكن يعلمه أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
مرت السنوات
سقطت الإمبراطورية
وغرق الترف
وأفلس عدنان تماما.
في تلك المرحلة تكفل به أحد رجال الأعمال السعوديين وأعطاه تذكرة طيران اقتصادية من جدة إلى القاهرة وأخبره
لن أتركك كل شهر سيصلك مصروفك على بنك الراجحي من باب الوفاء فقط.
وفي أحد الشهور ذهب عدنان إلى منزل رجل الأعمال ليستلم المبلغ الشهري لكنه لم يكن يعلم أن هذه اللحظة ستدون في التاريخ الإنساني كنموذج حي لما تعنيه آية
وتلك الأيام نداولها بين الناس.
دخل عليه رجل يحمل الظرف المالي وعندما نظر إليه
شهق خاشقجي شهقة لم ينسها أبدا فقد كان الخادم ذاته الذي طرده قبل سنوات!
الخادم الذي بكى مقهورا على بوابة قصره هو اليوم من يعطيه النقود.
هو من ينظر إليه بعينين دامعتين لا شماتة بل ألما ووجعا على من سقط من عرشه بلا أحد يلتقطه.
قال عدنان لخادمته بعد أن عاد إلى البيت
كانت أسوأ لحظة في حياتي لا حين أفلست ولا حين
سبحان المعز المذل فاعتبروا يا أولي الألباب
قليل من القصص تهز القلوب كما تفعل قصة عدنان محمد خاشقجي.
رجل عاش الثراء بأقصى درجاته سكن في ناطحات سحاب امتلك يخوتا بها مطارات أمرت طائراته الخاصة بالتحليق لجلب حلوى لأطفاله طلق زوجته بثروة تفوق ميزانيات دول وقالها بصراحة
أنا لست وكيل آدم على ذريته مالي لي ولمن أحب.
لكنه نسي أن المال أمانة وأن الغنى اختبار
وأن للكون قوانين لا تتغير منها أن المال لا يخلد والجاه لا يؤمن والغطرسة لا تحمي.
عبرة إنسانية وليست مجرد قصة
في مشهد النهاية لم يكن عدنان ينام على أسرة ذهبية ولا تحيطه الخادمات
بل كان في شقة صغيرة في القاهرة يستلم مصروفا شهريا ويفتش في عيني كل من قابله هل يتذكرونني حين كنت أسطورة
لكنه لم يكن يحتاج إلى من يتذكره
بل إلى من يغفر له غروره ويغلق الجرح الذي تركه في قلوب من أذلهم يوما.
رأى بأم عينه الخادم الذي دعا عليه يمد له مظروف المال.
رأى نظرة الصدمة والخجل والدمعة المكسورة في عينيه.
رأى الحياة كيف تدور وكيف تتبدل الكراسي.
هل تعلم ماذا بقي له
لا قصر.
لا يخت.
لا طائرة.
لا رجال أمن.
لا صحافة تحاوره.
ولا حتى تابوت فاخر يذكر اسمه عليه.
لقد مات فقيرا لا يملك ثمن الكفن.
وماتت معه أسطورته.
ومات الثراء وبقيت القصة.
الدروس المستفادة من قصة عدنان خاشقجي
المال وحده لا يبقي الإنسان في القمة.
الدعاء المظلوم أقوى من أغلى يخت.
العطاء لا ينقص الثروة بل يحفظها.
الغطرسة تفقدك احترام الناس قبل أن تفقدك مالك.
من يعامل خادمه بتكبر قد يأتيه يوم يقف أمامه وهو محتاج.
دوام الحال من المحال والزمان لا ينسى.
الكرامة لا تشترى لكنها قد تسحق حين تهين الناس.
ما تزرعه اليوم من كبرياء تحصده غدا من دموع.
مهما كنت قويا هناك لحظة تكسر فيها دون إنذار.
الذين كانوا حولك في الغنى لن تجدهم في الفقر.
النهاية التي يجب أن لا تنسى
هذه ليست قصة رجل أغناه الله ثم أذله فقط
بل هي قصة كل من ظن أن قوته فوق الناس وأن ماله له وحده وأن حاجات الآخرين ليست شأنه.
هي قصة رجل ظن أن الترف يدوم والقصور تحمي وأنه أكبر من أن يسقط.
لكن الزمن علمه أن دعاء خادم في جوف الليل قد يهدم قصرا من ذهب.
في سطر واحد
من يسكن السماء اليوم قد يطلب الدفء غدا من ظل شجرة.
فلا تتكبر ولا تبخل ولا تنس أن الزمن أمانة والتواضع
سبحانك ربي تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير.