أنا كنت بنضف بيت نفس الست كل يوم خميس بقالى 8 سنين
يكسروا نفسي. وده دوري إني أرد الجميل للدنيا عن طريقك أنتِ وبنتك.
حسيت إن البيت الفاضي ده، اللي كنت فاكره مجرد جدران بنضفها وأمشي، كان شايل حب واهتمام مستتر بقاله ثمان سنين كاملة.
كل التفاصيل الصغيرة اللي كنت فاكرة إن محدش شايفها أزازت المية اللي كانت بتسيبها لي في الحر، البسكويت اللي كان بيبقى على الترابيزة بالصدفة، السؤال البسيط عن صحة بنتي كل ده ما كانش مجرد ذوق، كان عين بتراقبني بخوف وأمل.
وقفت وحضنتها. كان أول حضن بيننا بعد ثمان سنين.
حضن ما فيهوش مسافة بين صاحبة بيت وست بتنضف، كان حضن بين ستين عرفوا يعني إيه الدنيا تعاند، ويعني إيه واحدة تشيل التانية في الخفاء.
لما بعدت عنها، مسحت دموعها هي كمان، وأخدت المفتاح من إيدي اللي كانت قافلة عليه، وحطته في جيبها، وبعدين طلعت مفتاح تاني خالص مفتاح جديد بنحاس بيلمع، وحطته في إيدي.
كشرت وأنا ببتسم من بين دموعي ده مفتاح إيه؟
نادية ابتسمت وقالت بثقة
ده مفتاح الشقة الجديدة اللي جنب بنتي الشقة فيها أوضة ضيوف، وأنتِ وبنتك مدعوين تقضوا معايا أول أسبوع في الصيف اللي جاي. وبدون أدوات تنظيف يا أمل.
أخدت المفتاح النحاسي الجديد وبصيتله وأنا مش مصدقة.
كان بيلمع بين صوابعي، ثقيل ومختلف تماماً عن المفتاح القديم اللي قضيت ثمان سنين بفتحه كل خميس بنفس التردد والخوف.
نادية طبطبت على إيدي وابتسمت ابتسامة هادية، وقالتلي
انسي الشغل يا أمل.. المرة دي أنتِ جاية زائرة، وبنتك معاكي.
قعدنا تاني على الكرسيين الخشب وسط الصالة الفاضية، صوت رنين الفراغ كان لسه مالك المكان، بس المرة دي ما كانش حزين.
كان عامل زي صمت قبل بداية جديدة.
بدأت نادية تحكيلي عن الشقة الجديدة، عن جنينتها الصغيرة، وعن بنتها اللي جهزت لها أوضة مخصوصة للأعمال اليدوية.
ولأول مرة، لقت نفسي بتكلم معاها بحرية.. حكيت لها عن مخاوفي من مستقبلي لما بنتي تسافر الكلية، وعن كبر سني، وعن أوقات كتير كنت برجع فيها البيت جسمي كله بيوجعني ومش عارفة بكره شايل إيه.
كانت بتسمعني باهتمام حقيقي، كأنها أخت كبيرة بتسمع لأختها الصغرى.
وفجأة، اتسمع صوت خبط قوي على الباب الخارجي.
نادية قامت بالراحة وقالتلي ده أكيد بتوع العفش رجعوا عشان ياخدوا آخر كراتين والترابيزة والكرسيين دول.
فتحت الباب، ودخل شابين شايلين شريط تغليف وكراتين فاضية.
بدأوا يلموا بقية الحاجات من الطرقة.
وقف واحد منهم عند ترابيزة المطبخ اللي كنا قاعدين عليها وسمح لنفسه يقول يا هانم، الترابيزة دي والكرسيين هنحملهم دلوقتي على العربيات، فاضل حاجة ثانية هنا؟
نادية بصت للترابيزة، وبعدين بصتلي وقالت للشاب
لا، الترابيزة دي مش طالعة معانا على العربية.
الشاب استغرب أمال هتروح فين؟
نادية شاورت عليا وثبتت نظرتها عليه بثقة الترابيزة دي والكرسيين رايحين مع الأستاذة أمل.. حملوهم في عربيتها هي.
أنا اتسمرت مكاني.
الترابيزة دي كانت شاهدة على كل ساندوتش أكلته بسرعة وأنا واقفة، وعلى كل لحظة تعب حسيتها في البيت ده.
طلبت منها بذهول يا ست نادية.. ما ينفعش، دي حتة من بيتك القديم، ذكرياتك أنتِ وعيلتك!
نادية قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنونة بس حاسمة
الترابيزة دي اتقال عليها كلام كتير حلو النهارده، واتجمعت عليها روحين طالعين من نفس الوجع. الترابيزة دي مش مكانها المطبخ الجديد بتاعي.. مكانها عندك في بيتك، عشان تقعدي أنتِ وبنتك عليها وتتكلموا عن المستقبل.
العمال حملوا الترابيزة والكرسيين ونزلوا بيهم على عربيتي الكركوبة اللي كانت مركونة بره.
الكنبة الوراانية اللي كنت مفضياها الصبح عشان أخد شوية هدوم أو مواعين قديمة، أخدت الترابيزة والكرسيين بالضبط كأن المكان كان متقاس عشانهم من الأول.
رجعت نادية للبيت الفاضي تماماً.
وقفنا في نص الصالة، ما بقاش فيه غير الأبواب المقفولة وشباك واحد يدخل منه ضوء الشمس.
قربت منها وحضنتها للمرة الثانية، والمرة دي الحضن كان أطول وأعمق.
وقلت لها بصوت مبشوح أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. الفلوس والجامعة والترابيزة.. كل ده كتير أوي عليا.
نادية هزت رأسها بابتسامة دافية وقالت
أفضل طريقة تشكريني بيها يا أمل.. إنك تروحي للبيت، وتسلمي لي على بنتك، وتخليها تذاكر وتجيب المجموع اللي بتحلم بيه. مش عايزة منك غير إنك تكوني بخير.
قفلت نادية باب البيت القديم للمرة الأخيرة، ونزلنا السلم مع بعض.
هي ركبت عربية بنتها اللي كانت مستنياها تحت، وأنا وقفت أراقب العربيات وهي بتبعد وتختفي في أول الشارع.
ركبت عربيتي، وبصيت للمراية الوراانية.. شفت الترابيزة والكرسيين مرصوصين ورا، والظرف التخين محطوط على الكرسي اللي جنبي.
دورت عربيتي ومشيت في الطريق لبيتي.. بس المرة دي، السواقة ما كانتش تقيلة، والهوا كان حاساه خفيف وصافي.
لأول مرة من ثمان سنين، ما كنتش شايلة هم الخميس الجاي.. كنت مستنية الصيف.
وصلت البيت والعربية مركونة تحت العمارة. نزلت وبصيت للشنطة المفتوحة والترابيزة والكرسيين الملفوفين ببطانية قديمة في الكنبة الوراانية. كان الشارع هادي في الوقت ده من بعد الظهر.
طلعت السلم خطوة بخطوة، مسكة الظرف في إيدي كانت أقوى من أي حاجة ثانية. فتحت باب شقتي الصغيرة، ولقيت بنتي قاعد على ترابيزة الصالة الصغيرة، حواليها كتب الثانوية العامة والمذكرات، وباصة في الملازم بتعابير وش مجهدة وشكلها شايل هم كل كلمة بتمتحن فيها.
أول ما سمعت صوت الباب فتحت ورَفعت رأسها تأخرتي ليه يا ماما؟ مش قيلالي هتروحي وتيجي بسرعة؟
ما رديتش عليها فوراً. حطيت مفاتحي على الرف وقربت منها بالراحة. بصيت في وشها اللي شبهي، وشفت الفزع المستتر في عينيها من المستقبل، من مصاريف الدروس، ومن حلم التمريض اللي كانت خايفة تحرم نفسها منه عشان الفلوس.
قعدت جنبها على الأرض وحطيت الظرف التخين على الترابيزة قدامها.
بنتي بصت للظرف بستغراب وضيقت عينيها إيه ده يا ماما؟
افتحيه يا نور. بصوت مش قادرة أسيطر على رنته.
نور مدّت إيدها، مسكت الظرف واستغربت تقله، وبعدين فتحت لسان الظرف وطلعت الأوراق. بدأت تقرأ السطور الأولى، وعينيها بتتنقل بين الشهادات وحساب الاستثمار المفتوح باسمها والخطاب المكتوب بخط الست نادية.
شفت الصدمة وهي بتتشكل على وشها تدريجياً، لغاية ما جمود وشها اتفك، والدموع جمعت في عينيها بسرعة.
ماما إيه الحاجات دي؟ دي مصاريف الجامعة كلها! مين إزاي؟
مسكت إيديها الاثنين بين إيديا وقلت لها الست نادية الست اللي بنضف عندها كل خميس بقالي ثمان سنين.
نور بصتلي بذهول مش مصدقة الست اللي كنتِ بتمشي قبل ما تمشي من عندها عشان ما تتقليش عليها؟ اللي كنتِ بتسيبيلك أزازت المية على الترابيزة؟
هي يا نور طلعت كانت شايفانا طول الوقت. كانت شايلة همك وهمي من غير ما تحسسنا بحاجة، ومن ثمان سنين وهي بتعمل الصندوق ده عشان يوم زي ده.
نور حطت الأوراق على صدرها وقامت ارتمت في حضني. بكينا إحنا الاثنين، بس المرة دي ما كانش بكاء تعب أو خضار من بكرة، كان بكاء نِفس عميق أخيراً قدرنا ناخده بعد سنين من الخوف.
بعد ما هدينا، بصيت لنور وقلت لها إنزلي معايا تحت فيه أمانة ثانية نادية بعتاهالك بنفسها.
نزلنا الشارع، فتحت باب العربية الورااني، وساعدتني نور في شيل الكرسيين والترابيزة الخشب القديمة. طلعناهم الشقة، وحطيناهم في نص الصالة الصغيرة بعد ما شيلنا الترابيزة البلاستيك القديمة المكسورة.
الترابيزة الخشب المدهونة