أنا كنت بنضف بيت نفس الست كل يوم خميس بقالى 8 سنين
أنا كنت بنضف بيت نفس الست كل يوم خميس بقالى 8 سنين.
وبعدين قبل ما تعزل بوقت قليل.. طلبت منى آجى مرة أخيرة.
بس أكدت على حاجة واحدة جدا
ما تجيبيش أدوات التنضيف معاكى
أنا افتكرت ان عندها شوية مواعين.. هدوم.. أو حاجات فى البيت مش عايزاها
حتى فضيت مكان فى الكنبة اللى ورا فى عربيتى
بعد 8 سنين فى بيت الست دي.. أنا كنت عارفة كل حاجة عنه تقريبا
عارفة انهى درج فى المطبخ بيعلق دايما
وانهى فوط للضيوف بس
وكل صورة مكانها فين بعد ما أمسح البيانو من التراب
وبالظبط بتحب المخدات مترتبة ازاى فى الصالة
بالنسبالها.. كنت فاكرة انى مجرد الست اللى بتيجى تنضف
الست اللى بتيجى الساعة 9 كل خميس وتمشى قبل الساعة 2
هى عمرها ما عاملتنى وحش
كانت بتدفع فى ميعادها
وكانت بتسيب البيت مريح وانا بشتغل
وكانت فاكرة تسألنى على بنتى
بس احنا مكناش صحاب أوى يعنى
ما كناش بنكلم بعض فى وسط الأسبوع
ولا بنتقابل نشرب قهوة
كان معايا مفتاح باب بيتها.. ومع ذلك كنت بتكسف آخد كوباية من مطبخها من غير ما أستأذن
لما بدأت أنضف عند الست دي.. بنتى كانت عندها 9 سنين بس
كنت لسه منفصلة عن أبوها وكنت باخد أى شغل تنضيف أقدر أحشره بين توصيلة المدرسة الصبح وبين انى أرجع آخدها
الفلوس كانت على القد
بعض الأسابيع.. كانت على القد أوى لدرجة تخوف
الست دي لقت اعلان من اللى كنت كتباه بايدى ومعلقاه فى الشارع وكلمتنى
اللى بدأ كمجرد شغل تنضيف تانى.. بسرعة بقى الحاجة الوحيدة فى الأسبوع اللى أقدر أعتمد عليها
كل خميس
نفس الميعاد
نفس البيت
لمدة 8 سنين
وبعدين من كام أسبوع.. الست دي قالتلى انها هتعزل وتروح تعيش جنب بنتها
قالت وهى بتهزر زهقت من ان عندى دور فوق كامل عمرى ما بستخدمه
ضحكت معاها
بس لما جه آخر خميس.. البيت كان حاساه مختلف تماما
الأوض كانت فاضية تقريبا
مربعات فاتحة على الحيطة مكان الصور العيلة اللى كانت متعلقة لسنين
النتيجة اللى جنب التلاجة اتشالت
نص الدواليب فاضية
كنت كل شوية أمد ايدى على حاجات متعودة عليها وبعدين أفتكر انها اتوضبت خلاص
لما خلصت.. لميت حاجاتى ومشيت ناحية الست دي
وبعدين مديت ايدى بمفتاح البيت
بصتله
وبدال ما تاخده.. قفلت صوابعى عليه براحة
لسه مش دلوقتى
كشرت
قصدك ايه؟
تعالى السبت الساعة 11
افتكرت على طول انها محتاجة مساعدة بعد ما بتوع العزال يخلصوا
عايزانى أنضف مرة بعد ما كل حاجة تمشى؟
لا
وسكتت شوية
وسيبى أدوات التنضيف فى البيت
أكيد شكلى كان ملخبط خالص
الست ابتسمت
أنا بطلب منك تزورينى
تزورينى
مش تشتغلى
مش فاكرة انها عمرها قالتلى كده قبل كده
فعشان كده الصبح يوم السبت.. لبست بنطلون جينز مفيهوش بقع كلور وبلوزة كنت شايلاها لمناسبات المدرسة بتاعة بنتى
وحتى وقفت اشترى بسكوت عشان أروح وايدى فاضية كان احساس غريب
لما وصلت البيت.. معظم العفش كان مشى خلاص
كراتين مرصوصة فى الطرقة
الصالة صوتها بيرن
بس الست دي كانت سايبة ترابيزة المطبخ وكرسيين عن قصد
وكان فيه ساندوتشات مستنيانا
على أطباق بجد
اقعدى قالت
اترددت
وبعدين ابتسمت
أنا عارفة انك متعودة تتغدى فى عربيتك
الجملة دي وقفتنى
ما كنتش أعرف انها عمرها لاحظت
قعدت بالراحة قصادها
ولمدة نص ساعة.. اتكلمنا
مش كصاحبة بيت والست اللى بتنضف
كشخصين وبس
حكتلى عن الشقة اللى هتتنقلها جنب بنتها
وسألتنى عن بنتى فى آخر سنة ليها فى المدرسة
وكانت فاكرة الكليات اللى بنتى كانت بتفكر فيها
وحتى فاكرة ان بنتى عايزة تدرس تمريض
ده فاجئنى أكتر ما كنت متوقعة
لما خلصنا أكل.. العادة غلبتنى
قمت وبدأت ألم الأطباق
الست فورا مدت ايدها عبر الترابيزة وحطت ايدها فوق ايدى
سيبيهم
بصتلها
بقالى 8 سنين عمرى ما سيبت مواعين مش نضيفة على الترابيزة دي
وبعدين قامت
فيه حاجة محتاجة أوريهالك
صوتها اتغير
بقى جد أكتر دلوقتى
مشت على الطرقة وشاورتلى أمشى وراها
توقعت كرتونة تانية
يمكن شوية عفش مش عايزة تاخده
وبدال كده.. الست وقفت جنب دولاب صغير جنب السلم
فتحت أول درج
وبعدين طلعت ظرف تخين
اسمى مكتوب على وشه
معدتى اتقبضت
ايه ده؟
ما ردتش على طول
حضنت الظرف على صدرها وبصتلى بطريقة عمرها ما بصتلى بيها خلال كل أيام الخميس اللى قضيتها جوه بيتها
وبعدين قالت بهدوء
انتى بقالك 8 سنين بتاخدى بالك من البيت ده
وسكتت
بس ما أعتقدش انك خدتى بالك قد ايه أنا كنت واخدة بالى من اللى بيحصل فى بيتك انتى
اتسمرت مكانى
وبعدين حطت الظرف فى ايدى
كان أتقل بكتير من انه يكون مجرد جواب
.
افتحيه
بصيت على اسمى
وبعدين بصتلها تانى
وأخيرا فتحت الظرف
وأول ما شفت أول ورقة جواه.. كان لازم أقعد
عشان فجأة فهمت حاجة
الست ما كانتش طالبة من الست اللى بتنضف ترجع يوم السبت
هى كانت طالبانى أرجع كحاجة تانية خالص
مسكت طرف الورقة بأصابع مرتعشة، وعيني مش قادرة تستوعب السطور الأولى.
ما كانش شيك ولا كانت فلوس في ظرف.
كانت أوراق رسمية شهادة سندات استثمارية، وأوراق تسجيل باسم بنتي، ومجموع المبالغ المكتوبة فوق كان يغطي مصاريف كليتها الأربعة بالكامل، وزيادة عليهم إيجار سنة لمكان قريب من جامعتها.
صوتي اختفى، حست إن الهوا انسحب من الأوضة، وبصيت للست وأنا مش قادرة أجمع كلمة واحدة.
هي قعدت جنبي على الكرسي الخشب القديم، وحطت إيدها على كتفي بهدوء وقالت
أنا عارفة إني بالنسبة لك كنت مجرد ست كبيرة عايشة لوحدها، بتديكي فلوس كل خميس وبتسيبك تشوفي شغلك. بس أنتِ من ثمان سنين، لما دخلتي البيت ده لأول مرة وكانت عينك بترف من القلق وبصي كل شوية في ساعتك عشان تلاحقي بنتك أنا شفت نفسي فيكي.
سكتت لحظة، وبصت للحيطان الفاضية اللي صوت الرنين طالع منها، وتابعت بصوت أعمق
من أربعين سنة، جوزي سابني وأنا معايا بنت عندها نفس سن بنتك. كنت بشتغل في ثلاث بيوت في اليوم، وكنت ببكي في العربيات وأنا رايحة من بيت لبيت عشان مش عارفة هجيب مصاريف مدرستها منين الشهر الجاي. لما شفت إعلانك المكتوب بالإيد على عمود النور في الشارع، افتكرت الإعلان اللي أنا كتبته بإيدي من أربعين سنة. أنا ما كنتش بس شغلاكي عندي أنا كنت بمشي معاكي خطوة بخطوة في نفس الطريق اللي مشيته قبل كده.
دموعي نزلت من غير ما أحس، والظرف في إيدي كأنه وزنه جبل.
يا هانم أنا أنا ما أقدرش أقبل ده
ابتسمت ابتسامة دافية وقاطعتني بثبات
أولاً، اسمي نادية، مش يا هانم. وثانياً، ده مش إحسان ولا حسنة يا أمل. الفلوس دي جزء من صندوق استثمار صغير أنا عملته باسم بنتك من ثاني سنة اشتغلتي فيها معايا. كل خميس، كنت بحط جزء بسيط جداً من اللي ربنا رزقني بيه في الحساب ده. كنت كل ما أشوفك جاية في المطر، أو وأنتِ تعبانة ورافضة تقعدي، أقول لنفسي البنت دي لازم تطلع للمستقبل وهي واقفة على أرض صلبة، مش بتصارع الزمن زي ما إحنا صارعناه.
مسحت دموعي بطرف البلوزة اللي كنت شايلاها للمناسبات، وبصيت للأوراق تاني.
وقفت نادية وفتحت الدرج الصغير تاني، وطلعت منه ألبوم صور قديم، جلدته متهالكة.
فتحته على صفحة فيها صورة لست شابة واقفة في مطبخ شبه مطبخها ده، ماسكة جردل ومسّاحة، وجنبها بنت صغيرة بتلعب على الأرض.
دي أنا من أربعين سنة قالت وهي بتشاور على الصورة. والبنت دي هي ابنتي اللي أنا رايحة أعيش جنبها دلوقتي. بنتي بقت دكتورة، مش شطارة مني، بس لأن كان فيه ناس سخرهم ربنا في طريقي يساعدوني من غير ما