ابني حبيبي هرب

لمحة نيوز

راجل واقف على رجليه، عارف هو عايز إيه، وعارف إن أمه دفعت ثمن ظلم ما كانش ليها ذنب فيه.

أول ما شوفته، قلبي دق بطريقة غريبة.

كنت ببص له ومش مصدقة إن السنين عدت عليه بالشكل ده.

كان واقف قدامي بثبات، لكن عينيه كان فيها نفس النظرة اللي كنت أعرفها وهو صغير.

قرب مني وقال:

"خلاص يا أمي... أنا رجعت."

ما قدرتش أرد عليه.

دموعي نزلت لوحدها.

قرب أكتر، ومسك إيدي، وقال:

"المرة دي أنا مش هسيبك لوحدك."

ومن اللحظة دي، بدأنا نواجه كل حاجة.

الورق اتراجع.

المستندات اتجمعت.

والحسابات اتفتحت.

والحقيقة اللي حاول جوزي يدفنها سنين بدأت تظهر واحدة واحدة.

اكتشفنا إن الفلوس اللي كانت من حق ابني اتصرف فيها من غير علمه، وإن في مستندات اتعملت بطريقة غير قانونية، وإن حقوقنا اللي ضاعت سنين ما راحتش هدر.

ابني ما استعجلش.

كان بيقول لي دائمًا:

"إحنا هناخد حقنا بالقانون يا أمي... مش عايز أعمل حاجة تخلينا نندم."

وكنت أبص له وأقول:

"أنا واثقة فيك."

لحد ما جه اليوم اللي عمره ما كان على بالي إنه هييجي.

كنا قاعدين في الشقة، وجوزي فوزي كان بيتكلم بطريقته المعتادة، وبيحاول يفرض سيطرته كأنه لسه صاحب الكلمة الوحيدة في البيت.

لكن المرة دي كان فيه فرق.

ابني كان موجود.

وكان هادي جدًا.

وفجأة...

الباب اتفتح.

دخل اتنين رجال ببدل رسمية، ومعاهم أمين شرطة.

أنا اتجمدت مكاني.

فوزي بص لهم باستغراب، وقال:

"خير؟ في إيه؟"

واحد منهم أخرج الأوراق، وقال له إن فيه إجراءات قانونية صادرة بحقه.

فوزي بدأ يتوتر، وبص ناحية ابني.

أما ابني، فكان واقف في مكانه بكل ثقة.

قرب منه وقال:

"المحضر اتقدم يا فوزي."

فوزي حاول يقاطعه:

"إنت بتقول إيه؟"

ابني رد بهدوء:

"قضية التزوير وسړقة أموال قاصر شغالين فيها بقالها شهر."

سكت لحظة، وبعدين كمل:

"ودلوقتي جايين ينفذوا أمر الضبط والإحضار."

وشه فوزي اتغير تمامًا.

لأول مرة شوفته بالشكل ده.

الرجل اللي كان طول عمره پيخوف الناس بصوته وعصبيته، بقى واقف مش عارف يقول إيه.

حاول يتكلم، ويبرر، ويقول إن الموضوع كله سوء تفاهم، وإن الأوراق ممكن تتفسر بشكل تاني.

لكن ابني ما دخلش معاه في جدال.

بص له وقال:

"كان عندك سنين تصلح اللي عملته."

"كان عندك سنين ترجع حق أمي."

"كان عندك سنين تعترف بغلطك."

"لكن إنت اخترت تكمل في ظلمك."

وبعدين قال له بثبات:

"دلوقتي القانون هو اللي هيتكلم."

الشرطة تقدمت نحوه.

فوزي بدأ يتوسل ويحاول يشرح، لكن الإجراءات كانت بدأت بالفعل.

وفي لحظات...

الكلابشات اتقفلت في إيده.

الصوت البسيط ده، صوت إغلاق الحديد، حسيت إنه كان أقوى من أي كلام سمعته في حياتي.

فضل يبص لي ويحاول يتكلم.

لكن أنا لأول مرة ما خفتش.

ما نزلتش عيني في الأرض.

ما حاولتش أترجاه.

وقفت مكاني وبصيت له، وأنا فاكرة كل ليلة بكيت فيها.

كل مرة حسيت فيها إني لوحدي.

كل مرة ابني سألني فيها ليه حياته اتغيرت.

كل مرة كنت بحاول أخبي عنه ۏجعي عشان ما يكبرش وهو شايل هم الدنيا.

رجال الشرطة أخدوه ونزلوا بيه.

وأهل المنطقة بدأوا يطلعوا من بيوتهم.

ناس كانت عارفة كويس أسلوب فوزي، وعارفة قد إيه ظلم وقسى عليّ وعلى ابني.

ما حدش قال كلمة.

لكن نظرات الناس كانت كفاية.

وأخيرًا...

الباب اتقفل.

وساد الصمت.

لأول مرة من سنين، الشقة كانت هادية.

مافيش صوت صړاخ.

مافيش ټهديد.

مافيش خوف.

مافيش حد مستني اللحظة اللي ينفجر فيها البيت من جديد.

بقيت أنا وابني بس.

بصيت له.

فضلت أبص عليه ثواني طويلة وأنا مش مصدقة.

الراجل الواقف قدامي...

هو نفسه ابني الصغير.

نفس الطفل اللي كنت بخاف عليه من الهوا.

نفس الطفل اللي كنت أضمه وقت ما ېخاف.

نفس الطفل اللي كنت أتمنى أشوفه يكبر قدامي.

لكن دلوقتي...

هو اللي كان واقف قدامي علشان يحميني.

ما قدرتش أتمالك نفسي.

جريت عليه.

والمرة دي، هو اللي فتح دراعاته وخدني في حضنه.

حضڼ طويل.

حضڼ حسيت فيه إن ست سنين من الۏجع بتذوب واحدة واحدة.

حطيت راسي على صدره، وفضلت أعيط.

لكن المرة دي دموعي ما كانتش دموع خوف.

كانت دموع راحة.

دموع أم أخيرًا حست إنها مش لوحدها.

حط إيده على رأسي، وباسني، وقال:

"خلاص يا أمي..."

سكت لحظة، وكأنه بيحاول يمنع دموعه.

وبعدين قال:

"الکابوس انتهى."

رفعت وشي وبصيت له.

ابتسم لي وقال:

"حقنا رجع."

وبعدين مسح دموعي بإيده وقال:

"ومن النهارده مفيش دموع تاني."

قلت له وأنا ببكي:

"إنت كبرت يا ابني."

ضحك، وقربني منه أكتر وقال:

"كبرت علشانك."

الكلمة دي هزت قلبي.

فضلت أبص له، وأفتكر كل السنين اللي فاتت، وكل اللي كنت خاېفة عليه منه، وكل لحظة تمنيت فيها يكون جنبي.

وقلت له:

"أنا كنت دايمًا بخاف عليك."

رد عليّ:

"وأنا طول عمري كنت مستني اليوم اللي أقدر فيه أطمنك."

حضنته تاني.

والمرة دي حسيت إن الدنيا كلها اتغيرت.

ما عادش عندي خوف من بكرة.

لأن ابني رجع.

مش بس رجع لبيته...

رجع لي وهو راجل.

رجع شايل مسؤوليته.

رجع علشان يقف جنبي.

رجع علشان يقول لي إن كل السنين الصعبة ما راحتش هدر.

وإن الظلم مهما طال، مش لازم يكون هو آخر الحكاية.

في اليوم ده، اتقفل باب الشړ خلف فوزي، وبدأت صفحة جديدة في حياتي.

صفحة ما فيهاش خوف.

ولا ذل.

ولا انتظار.

ولا دموع من الۏجع.

كان فيها أنا وابني فقط...

أم وابنها، فرّق بينهم الزمن ست سنين، لكن ما قدرش يفرق بينهم من الداخل.

ابني اللي خرج من البيت طفلًا، رجع إليه رجلًا.

والطفل اللي كنت يومًا أحاول أحميه من قسۏة الدنيا...

رجع هو النهارده علشان يحميني منها.

ومن يومها فهمت إن بعض الغياب، مهما كان مؤلمًا، قد يخفي وراءه عودة أقوى مما تخيلنا.

وإن بعض النهايات، رغم كل ما فيها من ۏجع، تكون في الحقيقة بداية لحياة جديدة.

أما أنا...

فأخيرًا قدرت أنام وأنا مطمئنة.

لأن ابني كان جنبي.

ولأول مرة منذ ست سنوات، ما كانش عندي سؤال أخاف من إجابته.

كان عندي بس إحساس واحد:

إن ابني رجع لي... وإن البيت أخيرًا بقى بيتنا إحنا.

تم نسخ الرابط