الجزائري

لمحة نيوز


إن بعض الأشياء التي قيل إنها اختفت معه كانت موجودة أصلًا داخل المنزل.
وده فتح باب جديد للتحقيق.
كمان اتراجع سجل الاتصالات، وظهر إن فريد لم يتواصل مع عائلته بعد اختفائه، ولم يظهر في أي مكان كان من المفترض أن يتوجه إليه.
أما ألمانيا، اللي قيل إنه ممكن يكون سافر لها، فلم يظهر فيها أي أثر مؤكد له.
وبكده بدأت فرضية فريد سافر واختفى بإرادته تفقد قوتها أمام المحققين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الأدلة المرتبطة بالحديقة.
فالجثمان لم يكن في مكان واضح، بل في موضع كان من السهل تغطيته بالنباتات والتربة مع مرور الوقت.
ثماني سنوات من المطر والشمس وتغيّر التربة جعلت الوصول إليه شبه مستحيل من دون معلومة تقود الشرطة للمكان.
المحقق وقتها أدرك إن الشخص اللي دفن فريد كان يعرف إن الحديقة ستخفي كل شيء مع مرور الزمن.
وعندما واجه إيلواز بهذه النقطة، انهارت للمرة الأولى.
لكنها لم تعطِ الرواية الكاملة.
قالت فقط
أنا كنت خايفة... وما كنتش عارفة أعمل إيه.
المحقق سألها
خايفة من مين؟
وساد الصمت.
السؤال ظل بلا إجابة واضحة.
وهنا بدأ المحقق يفحص دائرة الأشخاص الذين كانوا على اتصال بالعائلة وقت اختفاء فريد، بحثًا عن أي شخص يمكن أن يكون قد عرف بما حدث وساعد في إخفائه.
وفي الوقت نفسه، كان ابن فريد قد كبر.
لم يعد الطفل الذي كان يلعب في الحديقة.
أصبح شابًا قادرًا على فهم ما حدث، وبدأ يسأل عن والده بنفسه.
وقال لأحد أقاربه جملة اختصرت ثماني سنوات كاملة
أنا كنت فاكر إنه اختار يبعد عني... دلوقتي عرفت إنه ما اختارش حاجة.
وبعد انتهاء الإجراءات الجنائية، تم تسليم رفات فريد لعائلته، لتتمكن أخيرًا من دفنه بعيدًا عن المكان الذي ظل فيه كل هذه السنوات.
وهكذا انتهت واحدة من أغرب قصص الاختفاء...
رجل اختفى في ظروف غامضة، واعتقد الجميع أنه غادر بإرادته، بينما كانت الإجابة طوال الوقت تحت أقدام ابنه وفي حديقة المنزل.
لكن بالنسبة لعائلة فريد، لم تكن نهاية القصة مجرد اكتشاف مكانه.
كانت بداية سؤال آخر
كم شخصًا كان يعرف الحقيقة وسكت عنها طوال ثماني سنوات؟ومع استمرار التحقيق، الشرطة بدأت تراجع كل كلمة قالتها إيلواز من أول يوم اختفاء فريد لحد لحظة العثور على جثمانه.
المشكلة إن روايتها ما كانتش ثابتة.
كل ما المحقق يفتح معاها نقطة قديمة، تظهر تفصيلة جديدة لم تكن موجودة في كلامها الأول.
وفي إحدى جلسات التحقيق، سألها المحقق بهدوء
لو فريد كان ناوي يسيب البيت فعلًا، ليه ما اتصلش بابنه؟ ليه ما بعتش رسالة واحدة لأهله في الجزائر؟
إيلواز سكتت.
ثم قالت
يمكن ما كانش عايز يرجع.
لكن المحقق رد
طب وإنتِ كنتِ عارفة إنه موجود فين؟
هنا تغيرت ملامحها.
ولأول مرة، لم تجب مباشرة.
التحقيقات كشفت أن قصة سفر فريد إلى ألمانيا لم يكن عليها أي دليل حقيقي، وأنها كانت مجرد احتمال طرحته إيلواز بعد اختفائه.
وبمرور السنوات، تحولت هذه الفكرة إلى رواية يتناقلها الجيران والأقارب، حتى أصبحت بالنسبة للبعض حقيقة.
لكن لم تكن هناك رحلة مؤكدة، ولا ظهور له في ألمانيا، ولا تواصل مع أصدقائه، ولا حركة مالية تفسر اختفاءه.
كل الطرق كانت تعود إلى نفس المكان
المنزل.
والحديقة.
أما الابن، فكان يستعيد ذكرياته القديمة واحدة تلو الأخرى.
تذكر أنه كان يلعب في الحديقة لساعات، وأن والدته كانت أحيانًا تمنعه من الاقتراب من جزء معين منها.
وقتها كان طفلًا صغيرًا، فلم يفهم السبب.
لكن بعد أن عرف الحقيقة، بدأ يسأل نفسه
هل كانت والدته تخشى أن يكتشف شيئًا؟
السؤال ظل مطروحًا أمام المحققين، لكنهم لم يعتمدوا على ذكريات طفل بعد سنوات كدليل وحده.
كان عليهم إثبات كل شيء بالأدلة.
وفي النهاية، تم استكمال الإجراءات القانونية، وأصبح ملف فريد أمام القضاء، بينما واصلت السلطات التحقيق في ظروف وفاته ومن ساعد في إخفاء جثمانه إن ثبت وجود شخص آخر.
وبالنسبة لعائلة فريد، انتهت رحلة البحث عنه بعد ثماني سنوات.
لكن بالنسبة لابنه، بدأت رحلة مختلفة تمامًا...
رحلة معرفة والده الذي فقده وهو طفل، ومحاولة فهم لماذا عاش سنوات طويلة وهو يعتقد أن أباه تركه بإرادته.
وفي المكان نفسه الذي كان الطفل يلعب فيه قديمًا، لم يعد هناك قبر مخفي.
تم استخراج الرفات، وانتهى السر الذي ظل مدفونًا في الأرض.
ثماني سنوات كاملة، والحقيقة كانت أقرب مما تخيل الجميع.
لكن أكثر شيء بقي عالقًا في ذاكرة العائلة لم يكن اكتشاف الجثمان فقط...
بل حقيقة أن فريد لم يكن بعيدًا في بلد آخر كما اعتقدوا.
لقد كان موجودًا في المكان الذي كان ابنه يعود إليه كل يوم.
تحت الحديقة نفسها التي لعب فوقها الطفل، بينما كان الجميع يظن أن الأب اختفى إلى الأبد وبعد ظهور الحقيقة، القضية ما خلصتش عند اكتشاف الجثمان.
على العكس تمامًا...
الشرطة بدأت ترجع لكل تفصيلة حصلت قبل اختفاء فريد، لأن السؤال الأهم كان
مين اللي نفّذ الجريمة؟ وهل كانت إيلواز وحدها، ولا كان فيه شخص تاني يعرف بالسر؟
المحققين رجعوا لبلاغ 2016، واكتشفوا إن الخلاف بين فريد وإيلواز وقتها كان نقطة مهمة جدًا في فهم طبيعة العلاقة بينهما.
لكنهم ما اكتفوش بالبلاغ القديم.
راجعوا أقوال الجيران، تحركات فريد، اتصالاته، حساباته، وكل شخص كان على صلة بالأسرة.
وبعد سنوات طويلة، بدأت تظهر شهادات لم تكن قد أُعطيت أهمية كبيرة وقت اختفائه.
أحد الجيران قال إنه لاحظ في الفترة الأخيرة قبل اختفاء فريد تغيرًا في تصرفاته، وإنه كان يبدو قلقًا ومشغولًا، وكأنه كان يفكر بالفعل في تغيير حياته.
وشخص آخر تذكر شيئًا أكثر أهمية
في الأيام التي سبقت اختفاءه، كان فريد يتحدث عن ابنه كثيرًا، وكان يريد أن يظل قريبًا منه حتى لو انتهت علاقته بإيلواز.
وهنا أصبح من الصعب تصديق أنه قرر ببساطة أن يترك طفله دون كلمة.
وفي التحقيق، ظلت إيلواز متمسكة بجزء من روايتها، لكن الأدلة الجنائية كانت هي الفيصل.
ومع اكتمال الفحوصات، أصبح واضحًا أن فريد لم يكن مجرد شخص اختفى من تلقاء نفسه.
لقد انتهت حياته داخل الدائرة التي كان يعيش فيها، ثم أُخفي جثمانه بطريقة جعلت الجميع يعتقد أنه غادر.
أما ابنه، فكان أكثر شخص تأثر بالقصة.
ثماني سنوات كاملة عاشها وهو يحمل صورة مختلفة تمامًا عن والده.
كان يعتقد أن أباه اختار الرحيل.
ثم اكتشف الحقيقة فجأة
والده لم يتخلَّ عنه.
كان ضحية جريمة، وجثمانه ظل قريبًا منه طوال طفولته دون أن يعرف.
وبعد انتهاء الإجراءات، تمكنت عائلة فريد من إقامة جنازة ودفنه بما يليق به، بعد سنوات طويلة من الانتظار.
وعادت والدته في الجزائر تتذكر آخر مرة تحدثت فيها معه، بينما كان أفراد العائلة يحاولون استيعاب أن الرجل الذي بحثوا عنه لسنوات كان مدفونًا في بلد آخر، على مسافة أمتار من طفله.
أما البيت والحديقة، فقد أصبحا شاهدين على سر ظل مخفيًا لثماني سنوات.
سر لم تكشفه اعترافات...
ولا مكالمة...
ولا رسالة...
بل كشفته الأرض نفسها عندما عاد التحقيق إلى الملف بعد سنوات.
وفي النهاية، بقيت جملة واحدة تختصر المأساة كلها
كان الطفل يلعب فوق الحديقة، بينما كان قبر والده تحت قدميه... ولم يكن أحد يعرف أن الإجابة عن اختفاء فريد كانت أقرب إليهم من أي وقت مضى لكن القضية ما انتهتش هنا...
لأن بعد العثور على الجثمان، ظهرت مشكلة جديدة هل كان ممكن معرفة الحقيقة قبل مرور كل هذه السنوات؟
المحقق
 

تم نسخ الرابط