طفله السيارة
الناس من الماضي!
كل التقدير لهؤلاء الشباب تستحقون الحرية والمغفرة.
هل يوجد قانون يمنحهم فرصة الإفراج المبكر هذا حقهم.
في المساء استضافت قناة الموصل الحدث والد الطفلة أحمد وزوجته رقية في بث مباشر. قال الأب أمام الكاميرا
كنت رح أفقد بنتي وأنا أتحمل المسؤولية بس اللي أنقذها مش شرطة ولا دكتور كانوا خمسة ببدلات السجن. مش راح أنساهم ما حييت.
حتى الإعلام الوطني دخل على الخط وتحول الحادث من واقعة محلية إلى قضية عامة تناقشها البرامج الحوارية وتكتب عنها الصحف الكبرى مثل الصباح والزمان.
وصلت الضجة الإعلامية إلى أروقة وزارة العدل العراقية في بغداد. وعلى غير المتوقع أصدرت الوزارة بيانا رسميا في اليوم الثالث من الحادثة جاء فيه
تتابع الوزارة باهتمام بالغ الحادثة التي وقعت في محافظة نينوى والتي قام فيها عدد من النزلاء بالتدخل الإنساني وإنقاذ حياة طفلة. وسيتم تشكيل لجنة خاصة لمراجعة ملفات النزلاء الخمسة للنظر في مكافأتهم وتقييم سلوكهم العام.
البيان أحدث تفاعلا أكبر وبدأ نشطاء من الموصل وبغداد والبصرة والبصرة وكركوك يطلقون حملات تطالب بالعفو الجزئي عن هؤلاء السجناء أو إدماجهم في برامج تأهيلية وتوظيفية فورية بعد الإفراج.
حتى مجلس محافظة نينوى أعلن في جلسة له عن اقتراح تكريم
من الخطأ إلى البطولة.
بعد مرور خمسة وأربعين يوما على الحادثة صدر قرار محلي من محكمة نينوى المركزية بناء على توصية وزارة العدل بمنح الإفراج المشروط المبكر للسجناء الخمسة على أن يتابعوا لاحقا ضمن برامج إصلاحية وتأهيلية مجتمعية.
كان اليوم الذي خرجوا فيه مختلفا صباح مشمس لكن هذه المرة لم يكن حارقا كذاك اليوم الذي أنقذوا فيه نور.
وقف أحمد والد الطفلة ينتظرهم عند باب مركز الاحتجاز حاملا باقة ورد ودموع في عينيه وإلى جانبه رقية التي ألبست طفلتها فستانا زهريا مزينا بوردة عند الكتف.
نور كانت تحمل لعبة صغيرة على هيئة سيارة وظلت تلوح بها وهي تضحك.
ثائر خرج أولا وقد نحل جسده من السجن لكن وجهه كان منيرا.
قاسم الذي لم يكن يفهم في السياسة أو القانون ابتسم للمرة الأولى منذ سنتين.
فاضل الذي حرم من أطفاله طوال فترة سجنه بكى وهو يقرأ لافتة رفعها أحد الأطفال كتب عليها
أبطال السجن أنقذوا نور.
أما الأخوان عادل ووسام فقد تعانقا فورا مع والد الطفلة الذي قال بصوت مختنق
أنا أبو البنية وإذا أنتم تحتاجون بيت أو شغل هذا رقمي وبيتي مفتوح.
عادت الكاميرات مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن لتوثق مأساة بل لحظة أمل نقية... لحظة
بمرور الشهور بدأت حياة كل واحد منهم تأخذ مسارا مختلفا
ثائر الحمداني
عاد إلى ورشة سيارات قديمة كانت مغلقة وأعاد افتتاحها تحت اسم جديد
ورشة نور للخدمة السريعة.
استفاد من تبرعات تلقاها من موصليين وتم توظيفه رسميا ضمن برنامج إصلاح وتأهيل.
وأطلق عليه لاحقا لقب ميكانيكي الإنقاذ.
قاسم الجبوري
التحق بدورة لصيانة الهواتف الذكية عبر جمعية أهلية ثم تم قبوله للعمل في متجر لبيع الإلكترونيات في حي النبي يونس وأصبح مشهورا بين الزبائن بلقب قاسم الطيب.
فاضل السعدي
عاد لعائلته في حي الإصلاح الزراعي وبدأ يعمل سائق أجرة بسيارته القديمة يضع لافتة صغيرة أمام الزجاج تقول
كل دين له وفاء وكل خطأ له تصحيح.
عادل ووسام الحيالي
افتتحا بسطة قهوة متواضعة عند جسر نينوى يكتب فوقها بخط يدوي
ماكو شي أقوى من إنك تكون سبب في بقاء طفلة حية.
تحول مكانهم الصغير إلى ملتقى شبابي يزورهم أناس لا ليشربوا القهوة فقط بل ليسمعوا منهم كيف تغيرت حياتهم من ملف جنائي إلى ذكرى من نور.
بعد مرور عام كامل وفي ذكرى الحادثة أقيم احتفال صغير في قاعة منتدى نينوى الثقافي بعنوان
هم من أنقذوا نور.
حضره محافظ نينوى وقائد الشرطة ورئيس لجنة حقوق الإنسان وعدد من الشخصيات الاجتماعية.
كانت
حين صعد والدها ليلقي كلمته قال أمام الجميع
لما أغلق الباب على بنتي كنت أعتقد أن الحياة أغلقت علينا كل شيء. لكن خمسة وجوه من الظلام فتحوا لنا باب الأمل وفتحوه بيد نظيفة.
صعد ثائر إلى المنصة لم يقل الكثير. فقط قال
أنتم من منحنا فرصة ثانية. شكرا لأنكم لم تعاملونا كأرقام سجنية بل كأرواح تحتاج لمن يصدقها.
وانتهى الاحتفال بصورة جماعية ضمت الطفلة نور والديها والسجناء الخمسة والضباط والصحفي الذي كتب القصة أول مرة.
وفي لحظة خيم فيها الصمت صرخت الطفلة الصغيرة بكلمة واحدة فقط
ثاااائر!
فضجت القاعة بالتصفيق وبكى ثائر لأول مرة علنا.
قصة نور لم تكن قصة طفلة فقط بل قصة مجتمع بأكمله يعيد النظر في معناه الحقيقي للعدالة للغفران وللفرص الثانية.
من زنزانة إلى ورشة ومن بدلة سجن إلى يد تنقذ حياة
أثبتت الموصل في هذا المشهد أنها ليست مدينة أنهكتها الحروب فحسب بل مدينة ما زالت تعرف الشهامة والفزعة وكرامة الإنسان حتى في أحلك اللحظات.
في مدينة مثل الموصل التي مرت بالنار والدخان كادت تبكي من جديد بسبب سيارة مغلقة
لكن خمسة رجال من خلف الأسوار فتحوا بابا... ليس فقط لبنت صغيرة بل لبداية جديدة.
وهكذا...
حين