مات أحد شيوخ العشائر، وأرادت العشيرة تنصيب شيخ جديد، لأن ابن الشيخ صغير على المشيخة

لمحة نيوز

وفي دقته حين يصدر حكما أو قرارا.
وفي إحدى الجلسات وقف أحد الرجال الكبار وقال
كنا نظن أن الكبر في الجسد لكننا اليوم نرى أن الكبر في العقل.
كنا نلبس العباءات ظنا أنها تعطي الهيبة ولكنك علمتنا أن الهيبة تكتسب من المواقف لا من الملابس.
مع مرور الشهور أصبحت العشيرة أكثر اتزانا.
لم تعد هناك صراعات على الزعامة ولا تهافت على المنصب لأن الجميع أدرك أن المقام لا يؤخذ بل يعطى.
مرت السنوات وكبر الطفل وكبر معه قدره.
أصبح يضرب به المثل في البلاد والقبائل وأصبح اسمه يتردد في المجالس حين يطلب الحكم في النزاعات.
ولم ينس يوما كيف جلس على فنجان قهوة وأخرج منه مشيخة
ولا نسي كيف كانت عباءة والده ثقيلة على الجميع وخفيفة على من ورث الحكمة.
بعد سنوات طويلة وقبل أن يودع الدنيا جمع الشيخ أبناءه وقال لهم
يا أولادي قد تظنون أن ما أملك منكم هو هذا البيت وهذه الأرض وهذا الحصان وهذه العباءة لكن الحقيقة أن ما أتركه لكم أهم من هذا كله.
أترك لكم قصتي يوم وقفت وأنا طفل أمام رجال القبيلة
وأجبت عن فنجان قهوة يوم قال لي القاضي خذوا شيخكم.
احفظوا الحكم ولا تتنازعوا فإن كان فيكم من يشرب القهوة دون أن يشربها ويفرغ الفنجان دون أن يسكبه فذلك منكم هو شيخكم الحقيقي.
في عالم يميل فيه الناس إلى المظاهر ويتراكض فيه المتسابقون نحو الكراسي والعباءات جاءت هذه القصة كصفعة رقيقة على وجه الغرور كنبضة عقل تعيد ترتيب المفاهيم وكصرخة تقول لنا جميعا ليس كل من جلس على المنبر صار شيخا وليس كل من لبس العباءة صار قائدا!
الولد الصغير الذي دخل دار القاضي حافي الفكر خفيف الجسد لكنه خرج منها عملاقا في العقول لأنه أجاب بما عجز عنه الرجال. لم يكن يحمل عصا ولا يحمل نسبا يلوح به ولا مالا يرشى به القضاة.
كان يحمل شيئا واحدا فقط المعرفة التي ترسبت من مجلس أبيه والحكمة التي سكنت روحه قبل أن تسكن رأسه.
في لحظة واحدة لم يسقط عباءة الرجال فحسب بل أسقط وهم القيادة الشكلية وأعاد تعريف الكلمة التي ظن البعض أنها حكر على الكبار في السن.
لقد أثبت أن الشيخ لا يقاس بطول ذقنه ولا
بعمره ولا بمقدار صوته بل يقاس بقدرته على رؤية الأمور من زوايا لا يراها أحد.
انظر كيف أجاب عن فنجان القهوة وكيف التقط الرسالة وفك رموز اللغز دون أن يلقنه أحد.
انظر كيف رد على أسئلة القاضي عن المكسب والخسارة عن الزمن والورثة عن المعنى العميق للحياة
كان كمن يفتح نافذة الحكمة وهو لم يفتح بعد كتابا في عمره.
هل هذه صدفة لا.
بل هو حصاد بيت كان فيه الأب لا يحدث ابنه عن الطعام والمال بل عن العقل والشرف عن المروءة والفراسة عن الدين والمواقف.
البيت الذي تروى فيه الحكمة منذ الطفولة هو بيت لا يخرج إلا الكبار ولو كانوا صغارا.
تلك القبيلة لم تخرج بزعيم جديد فقط بل خرجت بدستور جديد بأن القيادة لا تورث بالاسم بل تورث بالاستحقاق.
وبأن الرجل الحقيقي هو من يحفظ إرث أبيه بالفكر لا بالمظهر ومن يصنع مكانته بالفعل لا باللقب ومن يطرق أبواب القلوب قبل أن يطرق أبواب السلطة.
كم من عباءة ارتداها رجل لا يستحقها فهانت عليه وعلى الناس
وكم من شخص بسيط لا يظهر في الصورة هو من يسند
الظهر وقت الشدائد
تأملوا هذا الطفل لم يكن الأقوى بين رجال القبيلة ولا الأغنى ولا الأكثر شهرة.
لكنه الوحيد الذي فهم معنى السؤال وفهم مغزى الموقف وفهم أن الحكم لا يؤخذ بل يعطى لمن يستحقه.
إنها ليست قصة عن المشيخة فقط بل قصة عن القيمة الحقيقية التي يصنع بها الإنسان.
قيمة العقل وقيمة التربية وقيمة الإنصات وقيمة أن تسكن بيتا يعلم لا يصرخ ينصت لا يهين يلهم لا يأمر.
وبين كل هذه المشاهد يقف القاضي شامخا كرمز آخر من رموز العدل والبصيرة لأنه لم يختر من يملك المال ولا من يلبس العباءة الأثقل بل اختار من أجاب السؤال الأصعب بالطريقة الأذكى.
فلنحمل معنا من هذه القصة دروسا لا تنسى
أن الزعامة تبدأ من البيت لا من الجاه.
أن الكلمة تحيي كما تميت.
أن الصمت أحيانا أبلغ من ألف قول.
وأن الطفل إن ربي على الحكمة فاق الكبار جميعا.
وإن كان للزمان عبرة فليكن هذا الطفل هو العبرة ولتكن عبارته للملك في القصة آخر ما نحمله معنا
فنجانك فارغ وقهوتك على رأسي.
جملة قصيرة لكنها أطاحت بكل
المتبجحين ورفعت شأن من لا يحسب له حساب.

تم نسخ الرابط