يوم العيد

لمحة نيوز


حاجة.
إزاي؟
أنا مش راجعة.
سمعت صوت أنفاسه بوضوح.
ثم قال
إنتِ بتتكلمي بجد؟
جدًا.
طب والبيت؟
بيتك.
والأولاد؟
أولادنا.
وماما؟
أمك.
وأبويا؟
أبوك.
يعني إنتِ عايزاني أعمل كل حاجة لوحدي؟
قلت بهدوء
لأ.
أنا عايزاك تعمل نص مسؤولياتك.
سكت.
ثم قلت
زي ما أنا هعمل نص مسؤولياتي.
بس في حاجة اتغيرت.
إيه؟
إنت بقيت شايف إن اللي بعمله له قيمة.
لم يرد.
فقلت
بس أنا كمان اكتشفت إن قيمتي مش مرتبطة بإنك تعترف بيها.
وقبل ما يقفل، قال
بكرة لازم نتكلم.
لما أرجع من الشغل.
يعني هترجعي؟
هاجي أشوف بنتي.
ثم قفلت.
تاني يوم الصبح، كنت في الشركة بدري.
كنت مجهزة كل الملفات الخاصة بالاجتماع.
الأستاذ كمال دخل مكتبي وقال
مستعدة؟
قلت
مستعدة.
ابتسم.
الاجتماع ده مهم جدًا.
عارفة.
الشركة اللي قدامنا دي مش عميل عادي.
عارفة.
هز رأسه.
والعقد ده لو تم، هيكون من أكبر العقود اللي الشركة دخلتها السنة دي.
أقفلت اللابتوب.
يبقى خلينا نكسب ثقتهم.
دخلنا الاجتماع.
كان فيه حوالي عشرة أشخاص.
وفجأة، فتح الباب.
دخل رجل في أواخر الأربعينات، أنيق، هادئ، ومعاه اثنين من مساعديه.
الأستاذ كمال قام وسلم عليه.
أستاذ سامح.
الرجل ابتسم.
ثم التفت ناحيتي.
تغيرت ملامحه فجأة.
شيماء؟
ابتسمت.
أستاذ سامح؟
ضحك.
معقول! إنتِ رجعتي؟
ضحكت.
رجعت.
جلس.
وقال
أنا لسه فاكر مشروع الحملة اللي عملتيه من سبع سنين.
بصيت للأستاذ كمال.
فابتسم.
عشان كده طلبت إن شيماء تكون موجودة في الاجتماع.
بدأنا نتكلم.
وأثناء الاجتماع، طلب مني أشرح نقطة معقدة في خطة التسويق.
شرحتها.
ثم سألتهم عن سلوك العملاء.
ناقشنا الأرقام.
قدمت بديلين.
وفي النهاية، أستاذ سامح قفل الملف وقال
أنا موافق مبدئيًا.
الأستاذ كمال ابتسم.
لكن أستاذ سامح أضاف
بس عندي شرط.
بصيت له.
إيه هو؟
شيماء تكون المسؤولة الأساسية عن المشروع.
اتسعت عيني.
بصيت للأستاذ كمال.
ابتسم.
ده أصلًا كان اقتراحي.
خرجنا من الاجتماع.
وأول ما دخلت مكتبي، لقيت رسالة من أحمد.
خلصتي شغل؟
ما رديتش.
بعد دقيقة
شيماء؟
ثم
أنا مستنيكي.
كتبت
هاخد ليان وأيجي.
لما وصلت البيت، لقيت الجو مختلف.
مفيش ضحك.
مفيش تليفزيون عالي.
مفيش صوت مريم وهي بتطلب مني حاجة.
دخلت.
لقيت أحمد قاعد على السفرة.
قدامه كوب شاي.
الحاجة سعاد قاعدة على الكنبة.
الحاج محمود ساكت.
ومريم قاعدة جنب ابنها.
أول ما دخلت، كلهم بصوا لي.
قالت الحاجة سعاد
أخيرًا.
لم أرد.
دخلت ليان تجري عليّ.
ماما!
حضنتها.
وحشتيني.
وإنتِ كمان.
مسكت إيدها.
ثم بصيت لأحمد.
كنت عايز تتكلم؟
قام من مكانه.
أيوه.
الحاجة سعاد تدخلت
قبل ما تتكلموا، أنا عايزة أقول كلمتين.
بصيت لها.
اتفضلي.
قالت
أنا يمكن زودتها شوية.
مريم بصت لها.
شوية؟
الحاجة سعاد رمقتها بنظرة حادة، ثم كملت
بس إنتِ برضه غلطانة. البيت مش مكان نسيبه ونمشي.
رديت
وأنا ما سبتش البيت.
أنا بس بطلت أعمل دور الخدامة.
سكتت.
الحاج محمود رفع رأسه وقال
هي عندها حق.
الجميع بص له.
أكمل
إحنا فعلًا اتعودنا عليها زيادة.
الحاجة سعاد قالت
محمود!
لكنه أشار لها أن تسكت.
أنا شايفك كل يوم بتصحى قبلنا وتنام بعدنا. عمري ما فكرت مين بيعمل كل ده.
بصيت له.
كانت أول مرة أسمع منه اعترافًا صريحًا.
لكنني لم أبتسم.
لأن الاعتراف وحده لا يمسح سنين.
أحمد اقترب.
شيماء، أنا غلطت.
عارف.
أنا كنت فاكر إن الفلوس هي الحاجة الوحيدة اللي ليها قيمة.
وكنت فاكر إن اللي مش بيقبض مرتب مش بيشتغل.
هز رأسه.
أيوه.
دلوقتي فهمت إن البيت ده كان ماشي عشان إنتِ موجودة.
قلت
لأ.
نظر لي.
البيت كان ماشي لأن أنا كنت بشيله.
سكت.
قلت
ودي حاجة مختلفة.
خفض رأسه.
ثم قال
أنا مش عايز أخسرك.
نظرت إلى ليان.
ثم إليه.
أنا مش هختفي من حياة بنتي.
بس علاقتنا محتاجة تتغير.
سأل
يعني إيه؟
يعني من النهارده مفيش حاجة اسمها إنتِ الست وإنتِ اللي تعملي.
هنقسم المسؤوليات.
والمصاريف.
وتربية ليان.
ورعاية أهلك.
ورعاية أهلي.
وكل حاجة هتبقى واضحة.
هز رأسه.
موافق.
لكن قبل ما يكمل، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
رد
ألو؟
استمع.
ثم قال
إيه؟
سكت.
لأ، لأ، استنى.
أنهى المكالمة.
نظرت إليه.
في إيه؟
جلس.
مرر يده على وجهه.
الشركة.
مالها؟
العقد اللي كنا بنحاول ناخده من مجموعة النور...
توقفت.
قال
اتلغى.
نظرت إليه دون تعليق.
يعني إيه اتلغى؟
قالوا إنهم اختاروا شركة تانية.
ليه؟
مش عارف.
ثم رفع عينيه لي.
بس قالوا إنهم هيبعتوا رد رسمي بكرة.
لم أقل شيئًا.
لأنني كنت أعرف شيئًا هو لم يعرفه.
العقد لم يُلغَ.
هو فقط لم يحصل عليه.
في اليوم التالي، كنت في مكتبي.
دخل الأستاذ كمال.
وفي يده ملف.
قال
العقد اتأكد.
اتأكد؟
أيوه.
وضع الملف أمامي.
مجموعة النور وقعت مبدئيًا معانا.
ابتسمت.
مبروك للشركة.
ضحك.
مبروك ليكي.
ثم قال
بس في حاجة غريبة.
إيه؟
الشركة اللي كانت بتنافسنا انسحبت.
مين؟
ذكر اسم شركة أحمد.
توقفت.
ليه؟
على حسب اللي فهمته، كان عندهم مشاكل داخلية في الإدارة.
سكت.
ثم قلت
ممكن أعرف حاجة؟
قولي.
مين اللي اتخذ قرار التعاقد معانا؟
قال
أستاذ سامح.
وكان عارفني؟
طبعًا.
وهل وجودي في المشروع أثر على القرار؟
ابتسم.
هو قال إن وجودك كان سبب رئيسي في ثقته.
شعرت بشيء يتحرك داخلي.
ليس انتقامًا.
وليس شماتة.
فقط إدراك.
طوال سنوات، كنت أظن أن عودتي للعمل هدفها أن أثبت لأحمد أنني لست عديمة الفائدة.
لكنني فهمت الآن أنني لم أعد بحاجة لإثبات أي شيء له.
أنا فقط عدت إلى مكاني.
في المساء، اتصل أحمد.
شيماء.
أيوه؟
عايز أسألك سؤال.
اتفضل.
إنتِ كنتِ في اجتماع مجموعة النور؟
سكت لحظة.
أيوه.
وإنتِ اللي ماسكة المشروع؟
أيوه.
سمعت زفيره.
يبقى...
لم يكمل.
قلت
أيوه.
الشركة اختارتكم عشانك؟
القرار قرارهم.
بس إنتِ كنتِ السبب؟
ممكن.
سكت.
ثم قال
يعني أنا طول السنين دي كنت متجوز واحدة تقدر تعمل كل ده...
قلت
وإنت ما كنتش شايفها.
أيوه.
قلت
دي مش مشكلتي دلوقتي.
سألني
طب إنتِ هتعملي إيه؟
هشتغل.
وبعد الشغل؟
هرجع لبنتي.
والبيت؟
هنشوف.
وإحنا؟
سكت قليلًا.
ثم قلت
لو هنسأل عن إحنا، لازم الأول نسأل نفسنا إحنا عايزين إيه.
مرت الشهور التالية بشكل مختلف تمامًا.
لم أعد أعود من العمل لأجد نفسي مسؤولة عن كل شيء.
يوم السبت كان أحمد يأخذ ليان للتمرين.
وفي اليوم الذي كنت أعمل فيه لوقت متأخر، كان هو الذي يطبخ.
لم يصبح طباخًا ماهرًا.
بالعكس.
في أول مرة عمل فيها المكرونة، احترقت.
ضحكت عندما رأيتها.
قال
متضحكيش.
قلت
مش بضحك عليك.
أمال؟
بضحك على إنك أخيرًا عرفت إن الموضوع مش سهل.
ضحك.
أهو عرفت.
الحاجة سعاد بدأت تتعلم تعمل بعض حاجاتها بنفسها.
مريم لم تعد ترمي ملابس ابنها أمام باب غرفتي.
والحاج محمود صار يصر على أن يساعد في البيت.
لكن الأهم...
أن ليان لم تعد تنظر لي بعينين مليئتين بالشفقة عندما يتكلم أحد عن عملي.
بالعكس.
كانت تقول لصديقاتها
ماما مديرة مشروعات.
وفي أحد الأيام، جاءت من المدرسة وهي تحمل ورقة.
ماما!
نعم؟
المدرسة عايزة حد يتكلم عن شغله قدام الفصل.
وإنتِ رشحتيني؟
هزت رأسها بحماس.
قلت لهم إن ماما شغالة في شركة كبيرة.
ضحكت.
وعايزاني أروح؟
طبعًا!
حضنتها.
وفي اليوم المحدد، وقفت أمام فصلها.
شرحت للأطفال ببساطة أن الشغل مش معناه بس إن الشخص يقبض مرتب.
وإن كل إنسان عنده قيمة.
وإن البيت نفسه شغل.
وإن تربية الأطفال شغل.
وإن رعاية الآخرين شغل.
لكن أهم حاجة...
إن الإنسان لازم يعرف قيمة نفسه حتى لو اللي حواليه مش شايفينها.
بعد ما خلصت، رفعت ليان إيدها.
ماما؟
نعم؟
هو بابا كان غلطان لما قال إنك مبتعمليش حاجة؟
ابتسمت.
بصيت إلى أحمد، الذي كان يقف عند الباب.
قال
أيوه يا ليان.
ثم اقترب.
بابا كان غلطان جدًا.
ضحكت ليان.
طب اعتذرت لماما؟
نظر لي أحمد.
ثم قال
كتير.
قالت
يبقى اعتذر تاني.
ضحكت أنا.
وضحك هو.
بعد سنة تقريبًا، جاء عيد آخر.
نفس المائدة.
لكن كل شيء كان مختلفًا.
كانت الأطباق أمامنا.
ليان بجواري.
الحاجة سعاد أمامها.
مريم
 

تم نسخ الرابط