قصه هند

لمحة نيوز

قال
قبح الله من لامني فيك!
وهنا أدركت المرأة أنها نجحت في الوصول إلى ما أرادت إليه بكلمة ذكية، من غير أن تذكر الحجاج بسوء، ولا تدافع عن نفسها دفاعًا مباشرًا.
وفي ذلك اليوم دخل بها عبد الملك.
وهكذا انتهت الحكاية بأن غلبت المرأة بدهائها وحسن تصرفها ما أراده الحجاج من كلمته، وأثبتت أن الكلمة قد تكون سلاحًا لا يقل أثرًا عن السيف، وأن الذكاء حين يقترن بحسن البيان يستطيع أن يغيّر موقفًا كاملًا دون خصومة ولا صراخ.
فلم تكن قصتها قصة جمال فقط، ولا قصة زواج من خليفة، وإنما كانت حكاية امرأة عرفت كيف تختار اللحظة المناسبة، وكيف تقول الكلمة القليلة التي تحمل في معناها جوابًا كاملًا، وكيف تدافع عن مكانتها دون أن تدخل في جدال طويل أو إساءة إلى أحد.
وكانت تعرف أن بعض المواقف لا تحتاج إلى كثرة الكلام، بل تحتاج إلى عبارة واحدة تُقال في وقتها، فتصل إلى القلب والعقل معًا.
وقد ظهر ذلك حين أسقطت الدينار متعمدة، ثم قالت للحجاج لقد وقع مني درهم، فلما صحح لها وقال إنه دينار، أجابته الحمد لله الذي أبدلني بدل الدرهم دينارًا. كلمة قصيرة، لكنها حملت من المعنى ما جعل الحجاج يفهم مرادها من غير أن تزيد حرفًا.
ثم جاء موقف اللؤلؤ أمام عبد الملك، فاستطاعت مرة أخرى أن تستخدم ذكاءها وفصاحتها لتزيل أثر الكلام الذي كان قد حال بينها وبين زوجها.
وهكذا لم تعتمد على جمالها وحده، ولا على مكانة الرجل الذي أراد الزواج منها، وإنما كان سلاحها الحقيقي عقلًا حاضرًا ولسانًا يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
وهكذا قيل في هذه الرواية إن كيدها غلب كيد الحجاج، وإن فصاحتها وذكاءها كانا أقوى من الموقف الذي وُضعت فيه.
وتبقى الحكاية، سواء رُويت على سبيل التراث والأدب أم تناقلها الناس جيلاً بعد جيل، مثالًا لما كانت العرب تقدّره من الدهاء، وحسن الجواب، وقوة البيان، وسرعة البديهة.
فكم من كلمة قيلت في لحظة عابرة، لكنها غيّرت مجرى أمر كامل، وكم من موقف ظنه صاحبه منتهيًا لا رجعة فيه، فإذا بكلمة موزونة تعيد له وجهه الآخر، وتفتح فيه بابًا لم يكن ظاهرًا لأحد.
وكم من امرأة لم تحتج إلى رفع صوتها لتثبت قوتها، ولا إلى الخصام لتدافع عن مكانتها، بل اكتفت بعقل راجح، ونفس هادئة، وكلمة تعرف متى تقولها وكيف تصيب بها موضعها.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن المرأة لم تنتصر بكثرة الكلام، وإنما انتصرت بمعرفة متى تقول الكلمة، وكيف تقولها، ولمن تقولها. فقد كانت تدرك أن الكلمة إذا خرجت في غير موضعها ضاعت قيمتها، أما إذا جاءت في وقتها، فقد تغني عن صفحات من الكلام.
فقد يكون الصمت في بعض المواقف حكمة، وقد تكون العبارة القصيرة أبلغ من خطبة طويلة، وقد يكون حسن التدبير أقوى من المواجهة المباشرة. وليس كل من سكت عاجزًا، ولا كل من أكثر الكلام منتصرًا؛ فربما كان الصمت انتظارًا للحظة التي يصبح فيها الكلام أكثر قوة وتأثيرًا.
وهكذا بقيت هذه الحكاية من القصص التي تُروى لما فيها من فصاحة وذكاء وحسن تصرف، وتذكّر بأن الإنسان قد لا يملك تغيير ما يحدث حوله، لكنه يملك أن يختار كلمته، وأن يحسن توقيتها، وأن يجعل من عقله وبيانه وسيلة للخروج من أصعب المواقف.
فالعبرة ليست دائمًا فيمن يرفع صوته أولًا، وإنما فيمن يعرف كيف يحفظ قدره، ويزن كلماته، ويترك أثرًا لا تنساه الأيام.

تم نسخ الرابط