عملت نفسي شحات عشان أدخل أختبر أكبر فرع في شركتي
الأوراق.
رضوى كانت بترتب العلب ورا الفترينا وفضّلت تسكت.
بس شيرين مكنتش عايزة سكوت.. كانت عايزة تشوفها مكسورة.
انزلي لمعي الفترينا بتاعتي كمان، أؤمرتها شيرين أصلك أمس اتعودتي على التربيط والزبالة، فغالباً شاطرة في الحاجات دي.
رضوى ضغطت على شفايفها.
هي محتاجة الشغلانة دي.
بتدفع منها إيجار أوضة في حارة بباب الشعرية، وأقساط الجامعة التأخير، ومصاريف علاج الحجة فاطمة، جارتها اللي ربتها زي بنتها بعد وفاة أمها.
فمسحت ولمعت.
لمعت وشيرين بترماديلها علب زيادة.
لمعت والمدير عامل نفسه أعمى.
لمعت وناس من الزباين بيبصولها بضيق، بس محدش اتكلم.
وهي طالعة بالليل، شافت ماهر وافق ومستند على عربية بسيطة.
المرادي كان لابس قميص أزرق نضيف وشعره متظبط.
رضوى.
هي اتفاجئت
حضرتك عرفت اسمي منين؟
ماهر شاور على الكارنيه بتاعها
صعب حد مياخدش باله منه.
رضوى ضحكت ضحكة قصيرة، دي كانت أول ضحكة ليها طول اليوم
صح.. نسيت أخلعه.
طلّع ماهر علبة صغيرة
كنت عايز أشتري ساعة لحد عزيز عليا، بس مش من محل بيعامل الناس بالقرف لو سألوا عن السعر. تعرفي مكان كويس؟
رضوى اترددت، وبعدين أخدته لمحل ساعات أصغر وأبسط جنب وسط البلد.
مشوا مع بعض بيتكلموا في حاجات بسيطة الطعمية، الزحمة، المطر، الإيجارات الموال، وأد إيه عيشة القاهرة غريبة لما كل حاجة تاخد 40 دقيقة حتى لو قريبة.
ماهر كان باين عليه الارتباك، بس كان مركز ومستمع جداً.
ده خلى رضوى تطمن وتفك شوية.
في المحل، اختار ساعة استيل صغيرة.
دي لخطيبتك؟ سألته بتهريج.
لا، لولد عنده 12 سنة، رد ماهر عايش في دار أيتام في السيدة زينب. النهاردة عيد ميلاده.
رضوى ابتسامتها اختفت
هو حضرتك بتساعد هناك؟
ساعات.
مقالش أكتر من كده، بس نظرة عينيه اتغيرت.
ورضوى كانت عارفة السكوت ده كويس.. ده سكوت حد فقد حاجات كتير.
في الليلة دي، ماهر بعتلها رسالة
هي شيرين ضايقتك تاني؟
رضوى قريت الرسالة وهي قاعدة في أوضتها الصغيرة جنب طبق كشري
أنا كويسة، متقلقش. الناس بتتكلم عشان بتعرف تتكلم، وأنا بشتغل عشان محتاجة.
ماهر عصر الموبايل في إيده بغضب.
في مكتبه الخاص، فتح كاميرات المراقبة بتاعة الفرع.
شاف شيرين وهي بتتريق على رضوى.
شاف المدير وهو سكت ومطنش.
شاف عمولات ملعوب فيها، وزباين بيتهانوا عشان شكلهم مش مقتدر، وثقافة زبالة ورا فترينات بتلمع.
سجّل الفيديوهات دي عنده.
نسيوا مين اللي بيمضي شيكات أجورهم، تمتم لنفسه.
يوم الأحد، رضوى راحت دار الأيتام في السيدة زينب ومعاها كراسات وألوان للأطفال.
أول ما دخلت الجنينة، اتسمرت مكانها.
ماهر كان قاعد على دكة، بيكلم ولد شعره منكوش.
وفي إيد الولد كانت بتلمع الساعة اللي اشتروها سوا.
ماهر؟
هو قام، وكان متفاجئ بجد
رضوى.. مكنتش اعرف إنك بتيجي هنا.
قعدت جنبه
أنا كبرت وأنا باجي المكان ده.. لما أمي تعبت، الراهبات والجمعية هنا كانوا بياكلونا.
ماهر نزل عينه في الأرض
أنا اتربيت هنا.
رضوى بصتله بذهول.
أبويا وأمي ماتوا وأنا عندي 10 سنين، قال ماهر جدي طلعني من هنا بعدين، بس هو كمان مات. الدار دي كانت الحاجة الوحيدة اللي شبه العيلة في حياتي.
رضوى حسّت بحاجة بتدوب جواها.
أنا أبويا مماتش، هي همست ساعات كنت بمنى لو كان مات.. كان بيشرب وبيلعب قمار ويضرب الحيطان عشان يخوف أمي. لما دخلت الجامعة اضطريت أسيبها عشان أشتغل. وأمي ماتت وسابتلي مصاريف مستشفيات.. من ساعتها اتعلمت إن محدش بيجي ينقذ حد.
ماهر كان عايز يمسك إيدها، بس ماجتلهوش الجرأة.
مسحت رضوى دمعة نزلت بسرعة، وكأنها زعلانة إنها سابت الدمعة دي تطلع.
بس أدينا عايشين ومكملين، صح؟
وبعدين جرت مع البنات عشان تعلمهم يعملوا ورد بالورق.
ماهر كان بيبصلها وقلبه مقبوض.
الموضوع مابقاش مجرد فضول، ولا ذنب.. هو كان بيحبها.
بس فهم حاجة مرعبة كل ما كان بيحبها أكتر، كل ما كانت كذبته ملهاش أي مبرر.
يوم الاثنين قرر يكشف الحقيقة.
المحل كان زحمة لما دخل ماهر العطار وهو لابس بدلة رمادي غمقة متفصلة عمومي.
صوت جزمته اللي بتلمع على الرخام كان فيه ثقة مختلفة تماماً عن الراجل بتاع التيشرت المغسول.
شيرين شافته الأول
أنت تاني؟ قالتها بقرف إيه، استسلفت هدوم المرة دي؟
ماهر مبصلهاش أصلاً.
مشى لحد وسط المحل، طلع دوسيه أسود، وتكلم بصوت هز الفرع والمدير نفسه
مساء الخير. أنا ماهر العطار، رئيس مجلس إدارة وصاحب مجموعة العطار.
الهوا اتقطع في المكان.
شيرين وشها جاب ألوان واصفرت.
مريم نزلت عينيها في الأرض.
المدير حس إن ياقت القميص بتخنقه.
رضوى وقعت الفوطة من إيدها على الأرض.
ماهر؟ همست.
هو بص لها بفخر وخوف في نفس الوقت
أنا دخلت الفرع ده وأنا متخفي في شكل راجل بسيط عشان اعرف بتتعاملوا ازاي مع الناس لما تفتكروا إنهم معهمش فلوس. لقيت تكبر وقرف من ناس المفروض تخدم، ولقيت أصل وكرامة من إنسانة عمرها ما احتاجت تتصنع.
فتح الدوسيه
معايا فيديوهات تفصيلية للتنمر، والتمييز، والتعسف، واللعب في العمولات. شيرين، أنتِ مطرودة. مريم، الموارد البشرية هتحقق معاكي. وحضرتك، قال للمدير موقوف عن العمل فوراً.
شيرين بدأت تعيط
يا ماهر بيه، أنا مكنتش اعرف إنه حضرتك!
دي المصيبة، رد ماهر مكنش لازم أكون أنا عشان أستحق الاحترام.
وبعدين اتلفت لرضوى
رضوى رمضان هتترقى من النهاردة ل مستشارة مبيعات كبار العملاء، مرتبك هيتضاعف 3 مرات، وهتكفّل بكل مصاريف جامعتك لحد ما تتخرجي.
كان مستنيشوفها فرحانة.. كان مستني يلمح راحة، ولا امتنان، ولا ابتسامة.
بس رضوى كانت وشها شاحب.
هو كل ده كان مجرد امتحان؟ سألته.
ماهر ابتسامته اختفت
مش بالظبط..