روحت للمحامي
الدنيا في عيني لثوانٍ، وتذوقت في فمي.
أنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟ فاكرة إنك لما تروحي للمحامي وتلغي التوكيل ؟ العمارة دي أنا اللي درتها وأنا اللي تعبت فيها، والفلوس دي حق تعبي! والشقة والمحلات اللي في التجمع مكتوبة باسمي، ورجلك فوق رقبتك هتسكتي وتكملي معايا وأنتِ حاطة جزمة في بقك، وإلا قسم بالله !
مسحت سحبت من شنطتي ورقة إلغاء التوكيل الموثقة من الشهر العقاري، بالإضافة إلى المحضر الذي حرره الأستاذ فاروق برقم البلاغ، ورميتهم على وجهه بكل قوة
تعالي هنا! مش هتخرجي من البيت ده إلا لما توقعي على تنازل!
لكني دفعت يده بكل قوتي وأمسكت بقطعة ديكور نحاسية ثقيلة من على الطاولة ووجهتها لنحره بحزم
لو إيدك لمستني تاني.. هسيب القانون وأخد حقي بإيدي فوراً! ابعد عني يا حرامي!
تراجع رشدي خطوة إلى الخلف، لكن ملامحه كانت تكشف عن غضب شديد، بينما حاول أن يحافظ على تماسكه ويتظاهر بأنه ما زال صاحب القرار.
قال بسخرية
فاكرة نفسك كده كسبتي؟ الورق اللي معاكي مش هيغير حاجة. والمحلات باسمي، وإنتِ بنفسك اديتيني التوكيل. الفلوس دي خلاص راحت، ومش هتشوفي منها حاجة!
نظرت إليه ندى بثبات وقالت
الفلوس هترجع بالقانون يا رشدي. الأستاذ فاروق قدم كل المستندات، وفيه تتبع للحسابات وإثبات لمصدر الأموال، وكل حاجة هتظهر قدام الجهات المختصة.
حاول رشدي أن يبدو واثقًا، لكنه بدأ يشعر أن الأمور لم تعد تحت سيطرته.
قال بغضب
أنا مش هسيبك تفرحي. ومش هسمحلك تكملي حياتك كأن مفيش حاجة حصلت.
ثم وقف للحظات، وكأنه يريد أن تكون كلماته الأخيرة هي الأقوى، وقال
إنتِ طالق.
استقبلت ندى كلماته بهدوء لم يتوقعه.
ابتسمت وقالت
ده أحسن خبر سمعته من سنين. أنا أخيرًا هبدأ حياتي من غير خوف ولا ضغط.
حملت حقيبتها واتجهت إلى الباب.
وقبل أن تخرج، التفتت إليه وقالت
حقّي هاخده بالقانون، واللي حصل مش هينتهي بكلمتين.
خرجت ندى من الشقة وهي تشعر بأنها تتنفس للمرة الأولى منذ سنوات.
لكن بعد أن ابتعدت عن المكان، بدأت مشاعرها تتغير.
كانت قوية أمام رشدي، لكنها في داخلها كانت منهكة.
لم تجد أمامها سوى بيت خالها متولي، الرجل الذي كانت والدتها تعتبره سندًا للعائلة قبل رحيلها.
وصلت إلى منزل خالها في حي زيزينيا.
فتحت خالتها أمينة الباب، وما إن رأت ندى حتى تغير وجهها.
احتضنتها وقالت بقلق
يا بنتي إيه اللي حصل؟ تعالي ادخلي الأول واحكي لنا.
خرج خالها متولي من غرفته، وتبعه ابنه أحمد.
جلس الجميع حول ندى، وبعد دقائق بدأت تحكي لهم كل شيء.
أخبرتهم كيف أقنعها رشدي بأن والدها ترك ديونًا كبيرة، وأن البنك استولى على العمارة التي كانت مصدر دخلها.
وحكت لهم كيف باعت بعض مقتنياتها، واضطرت للعمل براتب بسيط، بينما كان رشدي يستفيد من أموالها الحقيقية دون أن تعرف.
ثم أخبرتهم عن الأستاذ فاروق، الذي اكتشف وجود دخل شهري كبير من عقار والدها، بالإضافة إلى عقارات ومحلات اشتراها رشدي خلال الفترة نفسها.
كان خالها يستمع في صمت.
ومع كل تفصيلة جديدة، كانت ملامحه تزداد غضبًا.
قال أحمد
إزاي قدر يعمل فيكي كل ده؟ إنتِ كنتِ فاكرة إن مفيش حد واقف جنبك، لكنه نسي إن ليكي عيلة.
وضعت خالتها يدها على كتف ندى وقالت
المهم إنك رجعتي لنا. والحق هيرجع، بس كل حاجة لازم تتم بالقانون.
رفع متولي رأسه وقال بحسم
ندى مش لوحدها. هنجيب لها حقها بالطرق القانونية، وكل ورقة وكل مستند هيتقدم للجهات المختصة.
في صباح اليوم التالي، توجه خال ندى برفقة أحمد وبعض أفراد العائلة إلى مقر سكن رشدي.
لم يكن الهدف افتعال مشكلة، وإنما مواجهته بما ظهر من مستندات، وإبلاغه بأن القضية أصبحت أمام الجهات الرسمية.
فتح رشدي الباب، وما إن رأى متولي وأحمد حتى تبدلت ملامحه.
قال
إنتوا جايين هنا ليه؟
أجابه متولي بهدوء
جايين نقولك إن الموضوع بقى في إيد القانون. الأستاذ فاروق قدم المستندات، والجهات المختصة بدأت مراجعة الحسابات والأملاك.
حاول رشدي أن يبدو متماسكًا.
اللي عنده حاجة يروح المحكمة.
قال أحمد
وده اللي حصل فعلًا. محدش جاي يعمل مشكلة. إحنا بس بنقولك إن ندى مش هتتنازل عن حقها.
في هذه اللحظة خرجت زوجته الجديدة من إحدى الغرف، وكانت تسمع جزءًا من الحديث.
قالت باستغراب
إيه موضوع العمارة والأموال اللي بتتكلموا عنه؟
نظر إليها رشدي بتوتر
مفيش حاجة. سيبيهم.
لكنها لم تقتنع.
قال متولي
الأفضل إنك تعرفي الحقيقة بنفسك. الأموال اللي بنتكلم عنها مرتبطة بعقارات كانت مملوكة لندى، ورشدي استخدم توكيلًا حصل عليه منها لإدارة بعض الممتلكات.
تغير وجه الزوجة.
يعني الفلوس اللي كنت بتقول إنها من شغلك واستثماراتك؟
لم يجب رشدي.
كان صمته كافيًا.
في تلك اللحظة رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب.
كان المتصل أحد العاملين في إدارة العقارات.
قال الرجل بتوتر
أستاذ رشدي، الجهات المختصة بدأت إجراءات مراجعة المستندات والحسابات، وطلبوا تجهيز كل الأوراق الخاصة بالعقارات والمحلات.
أغلق رشدي الهاتف وهو في حالة ارتباك واضحة.
فهم أن الأمور أصبحت أكبر من قدرته على إخفائها.
بعد دقائق، وصل الأستاذ فاروق برفقة أحد رجال الشرطة لإتمام الإجراءات الرسمية.
أخرج الضابط الأوراق المطلوبة، وأوضح لرشدي أن عليه الحضور للإدلاء بأقواله واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بالبلاغ.
لم يعد رشدي قادرًا على التصرف كما كان من قبل.
قال متولي
شايف؟ إحنا ما احتجناش غير القانون. اللي أخدته من ندى هيرجع من خلال الإجراءات الرسمية، وكل واحد هيتحاسب على اللي عمله.
نظر رشدي إلى ندى، التي كانت قد حضرت مع خالها.
قال بصوت منخفض
ممكن نتكلم ونحل الموضوع بعيد عن المحاكم.
ردت ندى
كان ممكن يحصل ده من زمان، قبل ما تظلمني وتخدعني. دلوقتي كل حاجة هتتم من خلال القانون.
نظر إليها رشدي للحظات، ثم خفض عينيه.
لأول مرة، أدرك أن المرأة التي كان يعتقد أنها ضعيفة لم تعد كما كانت.
كانت ندى قد خرجت من بيته وهي لا تملك سوى حقيبتها وبعض الأوراق.
لكنها عادت الآن وهي تعرف الحقيقة، ومعها عائلتها ومحامٍ يمتلك المستندات اللازمة.
مرت الأسابيع، واستمرت الإجراءات القانونية.
تمت مراجعة الحسابات والعقارات والعقود، وبدأت الصورة الكاملة تظهر تدريجيًا.
اتضح أن جزءًا كبيرًا من الأموال التي تصرف فيها رشدي لم يكن من حقه، وأن المستندات التي قدمها الأستاذ فاروق كانت كافية لفتح تحقيق موسع في طريقة إدارة تلك الممتلكات.
أما ندى، فبدأت تستعيد حياتها خطوة بخطوة.
عادت إلى عملها، وبدأت تهتم بنفسها، وأدركت أنها خسرت سنوات طويلة وهي تحاول إرضاء شخص لم يقدّر ما فعلته من أجله.
وفي إحدى الليالي، جلست مع خالها متولي وخالتها أمينة.
قالت لهم
أنا كنت فاكرة إني لوحدي في الدنيا.
ابتسم خالها وقال
طول ما فيه أهل بيحبوك، عمرك ما تكوني لوحدك.
ابتسمت ندى، وشعرت لأول مرة أن ما حدث لم يكن نهاية حياتها.
بل كان بداية جديدة.
فهي لم تستعد أموالها فقط، وإنما استعادت ثقتها بنفسها أيضًا.
وأدركت أن الإنسان قد يمر بفترة يظن فيها أن كل الأبواب أُغلقت، ثم يكتشف أن بابًا واحدًا فقط كان ينتظر أن يطرقه.
أما رشدي، فقد اضطر إلى مواجهة نتائج قراراته من خلال الإجراءات القانونية، بعد أن ظهرت المستندات التي أخفاها طوال السنوات الماضية.
وهكذا انتهت مرحلة طويلة من حياة ندى.
لم يكن انتصارها في مواجهة رشدي بالصوت المرتفع، ولا بالتهديد، وإنما في أنها قررت ألا تخاف، وأن تستعين بالقانون وتستعيد حقها بطريقة رسمية.
ومن يومها بدأت حياة مختلفة تمامًا.
حياة لم يعد فيها مكان للخداع أو