جواب ابني حكايات زهرة

لمحة نيوز

بعد ست شهور من وفاة ابني صاحبه اداني جواب وقالي وصليه لمراته ،ولما روحت اوصله اتصدمت انها اتجوزت من شهر ، وقتها قولت مفيش داعي اوصلهولها وفتحته اشوف فيه ايه واللي كان مكتوب جواه خلاني وقعت من طولي وصوتي راح من الصدمه !!!
ابني ونور عيني، ضنايا الوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا، اتخطف مني في غمضة عين. بعد سنة واحدة بس من جوازه، سنة واحدة لحقت افرح بيه فيها واشوفه عريس زي القمر. كان شغال ظابط في الجيش، راجل وبطل من يومه، طلع في مأمورية تبع شغله ومرجعش.. رجعلي في صندوق ملفوف بعلم مصر.
يومها حست إن قلبي اتخلع من مكانه واتحرق، مفيش وجع في الدنيا يوصف لحظة ما أم تدفن حته من أحشائها بإيديها. مراته كانت لسه صغيرة قوي، بنت في أول شبابها، يدوب ملحقتش تتهنى ولا تفرح. بعد شهر واحد بس من وفاته، جوم أهلها وخدوها ومشيوا. أنا ساعتها متكلمتش ولا لمتهم، قولت البت صغيره ..ولازم تمشي وتشوف حياتها... وأنا هعيش اللي باقيلي بشوية الصبر اللي ربنا بينزلهم على قلبي.
فضلت ست شهور عايشة زي الميتة، الأيام بتعدي عليا تقيلة وبطيئة، البيت فضي عليا والسكوت بقا يصرخ في كل ركن. لحد ما في يوم جرس الباب دق.
فتحت، لقيت وشوش من ريحة الغالي.. صاحب ابني وأنتيم عمره، كان معاه في نفس المأمورية ولسه راجع من المأمورية الصعبة دي بعد خمس شهور. دخل والدمعة في عينه، قعد يعزيني وبكى معايا، وفجأة طلع من جيبه جواب مطوي ومقفول بعناية. وقاللي
يا أمي.. الجواب ده المرحوم سابه معايا أمانة قبل ما نطلع. قاللي لو حصلي أي حاجة، سلم الجواب ده لمراتي ضروري وفي أسرع وقت.. في حاجات مهمة جداً جواه ومينفعش تتقال في التليفون ولا ينفع حد غيرها يعرفها ...قاللي متبعتهوش وسلمه بايدك وانا يدوب دلوقت راجع.
أنا أول ما شفت الجواب اللي شايل ريحة إبني، مسكته وحضنته وقعدت أبكي . حست إن حبيب قلبي بيكلمني، بيتنفس تاني من بين السطور دي. بصيت لصاحبه ودموعي نازلة مغرقة وشي وقولتله اطمن يا بني.. أمانتك وصلت ، أنا هاخد الجواب ده ورايحة أدهولها بنفسي.. إيد بإيد، مش هؤتمن حد عليه.
تاني يوم الصبح بدري، أخدت بعضي وسافرت من القاهرة للمنصورة. الطريق كله كان ابني قدام عيني، بفتكر ضحكته، شكله وهو بيلبس لبس الشغل، كلامه معايا، وأقول في سري يا ترى كاتبلك إيه يا بنتي؟ يا ترى إيه السر اللي خلاه يوصي عليه قوي كده وهو رايح للموت؟
وصلت المنصورة وركبت لحد بيت أهلها، خبطت على الباب وأنا قلبي بيلف، مشتاقة أشوفها، مشتاقة أشم فيها ريحة ابني وأصبرها وتصبرني.
أول ما أمها فتحت الباب وشافتني، ملقتش في وشها الترحيب اللي كنت مستنياه.. لقيت صدمة، وشها أصفر وزي ما تكون شافت عفريت! دخلتني بسرعة وقعدتني في الصالون وهي مرتبكة ومش على بعضها.
سألتها بلهفة أومال فين ساره ؟ أنا جايلها في أمانة غالية قوي ابني سابها مع صاحبه وقاله لازم توصلها .
أمها بصلت للأرض وبلعت ريقها بالعافية، وقالتلي بصوت واطي ساره..ساىه اتجوزت من شهر يا أم خالد.. بعد ما عدتها خلصت على طول.
أول ما قالت الكلمة دي، حسيت بسكين تلمة انغرست في قلبي وشقته نصين.
اتجوزت؟! اتجوزت ومن شهر كمان؟!
يعني يدوب عدتها خلصت من هنا، ونسيت ابني وراحت لغيره من هنا؟! ابني اللي تحت التراب من ست شهور بس؟ ابني اللي دمه لسه مجفش؟ بالسرعة دي اتنسى؟ بالسهولة دي اتمسح اسمه من حياتها وأتاخد مكانه راجل تاني؟!
الصدمة كانت أكبر من قدرتي على الاستيعاب، حست بدوخة ورجليا مش شايلاني، كنت عاوزة أصرخ وأقولها إزاي؟ إزاي لحقتوا تنسوا؟ إزاي قلبكم طاوعكم تعملوا كده وابني لسه ناره بتقيد في قلبي؟
بس ربنا ألهمني الصبر في اللحظة دي.. مسكت نفسي بالعافية، وقفت على رجليا ورجعت الجواب لجيب شنطتي. قولت لنفسي دي سنة الحياة.. هي صبية وصغيرة ومحدش يقدر يلومها شرعاً ولا قانوناً، وأنا ماليش حق أتكلم ولا أعاتب.. خلاص، ابنك راحت أَيامه يا مسكينة، وهي بدأت حياة جديدة، ومفيش فايدة ولا داعي أنكد عليها ولا أوصلها جواب من واحد بقى

بالنسبة لها من الماضي.
بصيت لأمها وقولتلها بصوت مخنوق مبروك.. ربنا يسعدها.
ومشيت فوارا، خرجت من البيت ده وأنا بجر رجليا بالعافية، مش شايفة الطريق قدامي من الدموع اللي كانت حابساها في عيني بالعافية. طوال طريق الرجوع من المنصورة للقاهرة، وأنا ساكتة تماماً، وصلت البيت، البيت الضلمة المهجور اللي مابقاش فيه غيري وغير ذكريات ابني. دخلت على أوضتي، قفلت الباب عليا بالمفتاح، وطلعت الجواب من الشنطة.. حضنته جامد على صدري وقعدت أبكي، أبكي بانهيار وبصوت عالي، على شبابك اللي راح يا ابني، وعلى قلبك اللي حب وصان وفي الآخر اتنسيت في كام شهر.
مسحت دموعي وقلت أما أفتح الجواب.. أما أشوف كان عايز يقول إيه لمراته قبل ما يموت؟ إيه السر المهم اللي مكنش ينفع يتقال في التليفون وكان شايل همه وهو طالع المأمورية الصعبة دي؟
فتحت الظرف براحة كانت أسطر قليلة جداً.. مكتوبة بخط إيده اللي حافظاه زي اسمي.
بدأت أقرأ السطور دي.. وقبل ما ألم الكلمات الأخيرة من الجواب، الدنيا لفت بيا ووقعت

تم نسخ الرابط