سلفتي فرن بتاعها باظ
هتصدق مراتك وتكدب بنت عمك اللي متربية على إيدك؟ أنا ماليش غيركم بعد أبويا، هضحك عليك ليه بس؟ دي حاجة بسيطة مش مستاهلة تكبروها بالشكل ده!
قولت لها وأنا بقرب منها وعيني في عينها بثبات عمري ما حسيته قبل كده حاجة بسيطة؟ لما تشحني الراجل على مراته وتقوليله إنها بتعايرك وبتقولك شحاتة وتخليه يسيب شقته وينزل يقعد عند أمه ويهددني بالطرد والطلاق عشان صينية رز، تبقى حاجة بسيطة؟ ولما تكون أمي بتموت في المستشفى ومحتاجة بنتها جنبها، وانتي تقفي في طريقي وتعملي مشكلة وتقولي لجوزي مراتك رفضت تساعدني وسابتني محتاسة، دي حاجة بسيطة؟ لما تكوني بايتة إمبارح بتكلمي أختك في التليفون وبتقوليلها بالحرف الواحد إنك عملتي حكاية الفرن عشان تطفشيني من البيت وتستفردي بحماتي وبمصروف البيت الكبير وتخليني أتسول الرضا عند أهلي، يبقى ده لحم ودم وتربية أخت؟
أول ما نطقت بجملة التليفون، هبة اتسمرت، شفايفها ابيضت وفتحت بقها ومطلعش منه صوت. كأن حد ضربها على دماغها بخشبة، عرفت في اللحظة دي إن كل كلمة سمعتها منها إمبارح كانت متسجلة في دماغي ومفيش مفر من إنها اتفضحت على حقيقتها.
جوزي بص لها بذهول أكبر من صدمة الفرن بمية مرة انتي قولتي كده؟ انتي بتخططي تفركشي بيتي وتطلعي مراتي من شقتها عشان حتة مصروف وعشان غل في قلبك؟ أنا اللي كنت بفضل طلباتك على طلبات بيتي عشان يتيمة وعشان أبوكي موصيني عليكي؟ أنا اللي كنت بنزل أزعق لمراتي وأبهدلها قدام أمي عشان خاطر متزعليش، تطلعي انتي السوسة اللي بتنخر في بيتي وعايزة تشردي عيالي؟
في اللحظة دي، صوت
رجلين طالعة على السلم كان بيعلى، والباب بتاع الشقة كان مفتوح على مصراعيه، فلقينا حمايا وحماتي وسلفتي التانية الكبيرة طالعين على الصوت، ما هي العمارة بيت عيلة وصوت الزعيق كان واصل للدور الأرضي. حماتي دخلت بجلابيتها السودة وشالها على كتفها وهي بتقول بنبرة عتاب حامية في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب آخر الشارع والناس بتبص على شبابيكنا، جرى إيه يا أبو يوسف؟ مش قولتلك سيب مراتك تهدا يومين وبلاش تطلع تتخانق معاها؟
حمايا راجل كبير، شعره أبيض وله هيبة، دخل وسند على عكازه ووقف في نص الصالة، عينه دارت بين جوزي وسلفتي وبيني وبين يوسف ابني اللي واقف متكتف ووشه مليان غضب على أمه، وقال بصرامة في إيه يا حسن؟ فهمني بالراحة إيه اللي مطلعك شقة أخوك وبتزعق مع مراته كده
حسن جوزي بص لأبوه، وشه كان مكسور بجد، الراجل اللي كان نازل إمبارح فارد ضهره ومقتنع إنه بينصر الغلبانة اليتيمة، حس إنه كان ألعوبة في إيد واحدة ملهاش أمان. أشار بإيده على المطبخ وقال بصوت موجوع تعال شوف يا حج. شوف بنت أخوك اللي ربيناها وسطنا وبنقول لحمنا ودمنا ووصيتني عليها زي أختي. شوف الفرن اللي مقومة القيامة عليه بقالها شهور وخلتني أبهدل أم يوسف بسببه وأهينها قدامكم، الفرن شغال وزي الفل ومسوية فيه فراخ أهو، وبتخطط من ورا ضهرنا إزاي تخرب بيتي وتطرد مراتي وتستفرد بالبيت كله!
حماتي بصت لهبة بذهول، ودخلت المطبخ شافت المنظر بعينها، ورجعت وهي بتبص لها بقلة حيلة وقالت إيه ده يا هبة؟ هو الفرن مش كان محروق ومستنية إبراهيم جوزك يصلحه؟ بتعملي كده ليه يا بنتي؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده أم يوسف دي كانت
بتشيل
اللقمة من بق عيالها وتطلعها لك، وكنت دايمًا أقول حسن مراته مفيش أطيب منها ومستحملاكي زي أختها!
هبة شافت إنها خلاص وقعت في بير ملوش قرار، والكل باصص لها نظرة احتقار مفيهاش أي تعاطف، حاولت تستعطف حمايا، جريت عليه ومسكت في جلبابه وبدأت تبكي بنواح يا عمي اسمعني، والله العظيم هما فاهمين غلط، أم يوسف غيرانة مني عشان حسن بيعاملني كويس وبيسأل عليا، وهي اللي كبرت الحكاية في دماغه عشان توقع بيني وبينكم، أنا يتيمة وماليش حد غيركم، هتعملوا فيا كده عشان صينية أكل؟
حمايا زق إيدها بهدوء بس بحزم يقطع الخلف، راجل قديم وبيفهم الأصول وميرضاش بالظلم أبدا، خبط بعكازه على الأرض وقال بصوت جهوري هز الحيطان اخرسي خالص! اليتم مش معناه تغلبي وتفتري وتاكلي في لحم الناس اللي آووكي في بيوتهم. أم يوسف دي ست بيت أصيلة، شالت ابني وشالتنا في مرضنا وعمرها ما طلعت منها العيبة في حق حد في البيت ده. أنا كنت ساكت ومستني لما أشوف آخرة الدلع والوصاية اللي عمالين تعملوها، وكنت حاسس إن في حية بتلدغ في الخفا بس قولت ولاد عم ومحبش أظلم. لكن توصل بيكي الدناءة إنك تستغلي مرض أمها، ست كبيرة نايمة في المستشفى، وتعملي عليها نمرة عشان تخلي ابن عمك يطردها من بيتها؟
التفت حمايا لحسن جوزي، وبص له بغضب أب حقيقي وانت يا مغفل! فين عقلك؟ فين رجولتك اللي بتبان على مراتك وعيالك؟ تصدق كلام وتجري تبهدل شريكة عمرك اللي بقالك معاها عشرين سنة ومشوفتش منها إلا كل خير؟ عشان مين؟
وكنت شوفت مراتك اللي بتجري على أمها العيانة وجيت شيلت عنها، مش تيجي تهد بيتك بإيدك عشان تسمع كلام شيطان؟
حسن نكس راسه في الأرض، كان شكله يصعب على الكافر، مكنش قادر يرفع عينه في عين أبوه ولا في عيني. الدمعة كانت محبوسة في عينه والكسوف مالي كيانه.
حمايا كمل كلامه وبص لهبة وقال بصرامة مفيهاش رجعة اسمعي يا بت، لما إبراهيم جوزك يرجع من شغله، أنا اللي هقعد معاه راجل لراجل، وهعرفه كل اللي عملتيه بالظبط، وهو اللي هيتصرف معاكي. ومن اللحظة دي، رجلك دي متخطيهاش عتبة شقة أم يوسف أبدا، ولا ليكي دعوة بأكلها ولا شربها ولا بوتجازها. عندك شقتك ومطبخك وفرنك اللي مش عاجبك، تعيشي فيه في حالك، ولو سمعت صوتك طالع ولا لمحتك بتبصي لبيتها بنظرة مش تمام، قسما بالله لتكوني عند أهلك في بلدكم ومش هتدخلي البيت ده تاني حتى لو كان تمن ده إيه.
هبة وطت راسها ودخلت أوضتها ورزعت الباب وراها من كتر الخزي، وحماتي وسلفتي التانية نزلوا مع حمايا بعد ما بصوا لي وقالولي حقك علينا يا أم يوسف، انتي أصيلة وبنت أصول ومحدش يقدر يمسك بكلمة في البيت ده.
فضلنا أنا وحسن ويوسف ابني واقفين في مدخل شقتنا. يوسف بص لأبوه بحزن وعتاب شاب حس إن كرامة أمه اتهانت، ومشي دخل أوضته وقفل الباب، عشان يسيبنا لوحدنا.
حسن فضل واقف قدامي في الصالة، رقبته مطأطأة ومش قادر ينطق. البيت كان ساكت خالص، والتوتر اللي كان شاحن الجو بقى حزن تقيل يوجع القلب أكتر من الغضب. قرب مني خطوة وقال بصوت مكسور كله ندم سامحيني يا أم يوسف... أنا كنت أعمى، الغشاوة كانت
على عيني عشان كنت فاكر إني بعمل بأصل أبويا وبوصيته على بنت عمه. كنت حمار وغبي، مفكرتش فيكي ولا في تعبك مع أمك، ورميت عليكي كلام زفت
ميطلعش من راجل بيحب مراته وبيحترمها. حقك فوق راسي، اضربيني بالجزمة بس متبصليش البصة دي.
بصيت له كتير، بصيت للراجل اللي عشت معاه سنين طويلة على الحلوة والمرة، عمري ما شوفت منه خيانة ولا بخل، بس كانت مشكلته الكبيرة طيبته الزايدة وتسرعه وعقله اللي كان بيتساق ورا فكرة صلة الرحم بشكل أعمى لحد ما كان هيخرب بيته بإيده.
أخدت نفس طويل وقولت له بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف المسألة مش مسألة ضرب ولا خناق يا حسن. المسألة إنك في لحظة صدقت فيا الوحشة، هنتني قدام أهلك وهددتني بالطرد
مسك إيدي الاتنين وباسهم بلهفة وقال حقك عليا والله، أمك دي أمي وأنا هنزل أروحلها دلوقتي حالا أقبل راسها وأطلب رضاها. ومش هسيبك زعلانة، والله العظيم من اللحظة دي ما حد في البيت ده يقدر يتعدى حدوده معاكي، ولا هبة دي هتشوف وشي ولا هتكلم معاها تاني إلا في حدود السلام من بعيد لبعيد، وكلمتك في بيتك هي اللي هتمشي.
سحبت إيدي بالراحة من بين إيديه، وقولت له أنا مش عايزة خراب لبيت حد، ولا فرحانة في خزي هبة وفضيحتها قدام عمها. أنا كان كل همي كرامتي وكرامة عيالي، وإنك تعرف إن الطيبة اللي ملهاش حدود بتتحول لضعف،
وإن بيتك لازم يكون له حرمة وسور عالي مفيش مخلوق يقدر ينط من فوقه حتى لو كان أقرب قريب.
أنا مسامحة عشان خاطر عشرتنا، وعشان خاطر يوسف وإخوته، وعشان عارفة إنك مكنتش قاصد تظلمني بذاتك، انت كنت مضحوك عليك. بس اللي حصل ده درس، ومش هيتكرر تاني يا حسن. لو اتكرر في يوم من الأيام ولقيتك بتقدم أي حد عليا وعلى بيتك وبتصدق فيا كلمة من غير دليل، ساعتها مش هستنى لما تقول لي امشي، أنا اللي همشي من نفسي ومن غير ما أرجع.
حسن هز راسه بحرقة وقال عمرها ما هتحصل تاني أبدا، والله العظيم ما هتحصل. بيتي وعيالي ومراتي في كفة، والدنيا كلها في كفة تانية.
في المسا، لما إبراهيم جوز هبة رجع، قعد مع أبوه وأخواته تحت في الشقة الكبيرة، وعرف كل اللي حصل، وصوته كان عالي وزعيقه مالي البيت عليها، وعاقبها بإنه حبسها في شقتها ومنعها تنزل أو تطلع إلا بإذنه، ونظرات أهل البيت ليها اتغيرت تماما ومبقاش حد يعبرها ولا ياخد كلامها بمحمل الجد بعد ما كدبها وغلها بان للكل.
أما أنا، فدخلت مطبخي بالليل، ولعت فرني وظبطت ناره، وعملت برام رز معمر بالقشطة واللبن والسمنة البلدي زي ما بحب أعمله، ريحته ملت شقتي، بس المرة دي وأنا مرتاحة ومطمنة، مفيش حد هيخبط على بابي بابتسامة كدابة عشان يحط عينه في لقمتي، ولا في حد هيقدر يهد بيتي اللي حصنته بالصبر والحكمة والحق اللي مبيضعش وراه مطالب. جوزي جه قعد جنبي في المطبخ، وبص لي بامتنان، وعرف ساعتها إن بنت الأصول اللي بتصبر هي السند الحقيقي، وإن حبال الكدب مهما طولت،