دخلت جناحي في الفندق لقيت
وقالت بهدوء:
“أنا مخدتش قرار طبي يا فندم… أنا بس حضنتهم.”
الجملة ضربتني في مكان موجع.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا بقالي 11 أسبوع بخاف ألمس أولادي.
كل مرة كانوا بيعيطوا، أقرأ تقرير.
أقيس الحرارة.
أراجع مواعيد الرضاعة.
أطلب دكتور.
لكن عمري ما قعدت ببساطة…
أحضنهم.
افتكرت آخر مرة شوفت فيها نادين في المستشفى.
آخر نظرة في عينيها.
والإحساس بالذنب اللي عايش معايا من يومها.
فبدل ما أواجه ضعفي…
طلعت غضبي عليها.
قلت:
“إنتِ مرفودة.”
وشها شحب.
“يا فندم، أنا بس…”
قاطعتها:
“الأمن هيوصلك لحد الباب.”
سكتت.
خلعت الجوانتي الأصفر.
حطته جنب السرير.
بصت لأولادي.
وبعدين خرجت من غير ما تقول كلمة.
⸻
الباب اتقفل.
عدت أربع ثواني.
وفجأة…
ياسين بدأ يعيط.
آدم فتح بقه وبدأ يصرخ.
يوسف، اللي كان نايم بهدوء من ثواني، أطلق صرخة خلت جسمي كله ينتفض.
خلال أقل من دقيقة…
الجناح كله اتقلب جحيم.
نور.
أصوات.
أجهزة بتصفر.
تلات أطفال بيعيطوا في نفس الوقت.
شيلتهم واحد واحد.
هديتهم.
غيرت لهم.
حضرت رضعة.
شغلت موسيقى.
ولا حاجة.
يوسف فضل يصرخ.
وأنا لأول مرة حسيت بالعجز.
أنا اللي عمر ما حد قال لي “لأ”.
أنا اللي أي مشكلة في شغلي بحلها بفلوس أو قرار.
لكن قدام تلات أطفال صغيرين…
مكنتش قادر أعمل حاجة.
نزلت على الأرض.
بصيت حواليّ.
ولقيت جنب السرير منديل ورق عليه بقعة خضرا.
روزماري.
مسكته في إيدي.
وقتها سمعت صوت ضعيف جدًا من بره الباب.
صوت سلمى.
كانت بتدندن نفس اللحن اللي أمي كانت بتغنيهولي وأنا صغير.
اتجمدت.
نفس اللحن.
نفس التهويدة.
نفس النغمة اللي اختفت من حياتي من 16 سنة.
فتحت الباب بسرعة.
لكن سلمى كانت اختفت.
نزلت عيني على الأرض.
ولقيت الجوانتي الأصفر اللي سابته.
وتحته…
ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم واحد.
“عالية.”
اسم أمي.
رفعت الورقة وإيدي بدأت تترعش.
لأن أمي مش بس اختفت من حياتي من 16 سنة…
أبويا قال لي يومها إنها ماتت وسابتنا ومشيت.
لكن لأول مرة…
بدأت أشك إن كل اللي أعرفه عن أمي كان كذبة.
وبصيت ناحية أولادي وهم بيعيطوا.
وفهمت إن سلمى مكانتش مجرد عاملة نظافة لقتهم صدفة.
هي كانت عارفة أمي… وكانت جاية الفندق علشان سبب محدد.
إيدي كانت بترتعش والورقة الصغيرة بين صوابعي، اسم «عالية» مكتوب بخط إيد هادي وواضح. صرخات التوائم الثلاثة كانت بتهز جدران الجناح الفخم، بس الصوت اللي كان بيلف في دماغي هو نغمة التهويدة القديمة.
أبويا كان طول عمره بيقنعني إن أمي عالية هربت وسابتني وأنا عندي 8 سنين عشان تجري ورا الفلوس، وإنها ماتت بعد حادثة في الإسكندرية. عشت 16 سنة بحقد دفين جواه، بنيت بسببه امبراطورية فنادق عشان أثبت لنفسي وللعالم إني مش محتاج لحد.
بس ليه التهويدة دي بالذات؟ وليه العاملة دي بالذات معاها كيس الروزماري واللافندر اللي كانت أمي بتحطه تحت مخدتي لما أكون مش عارف أنام؟
ما استنيتش ثانية. شيلت يوسف وآدم في حضني، وشيلت ياسين على دراعي، وخرجت بيه الثلاثة بره الجناح وأنا بتنفس بعنف.
الممر كان فاضي والهدوء قاتل. نزلت للأمن في الدور الأرضي والولاد صرخاتهم بتزيد ولون وشهم بقى أحمر من كثرة البكاء.
رئيس الأمن أول ما شافني بالمنظر ده اتخض وقام وقف:
— عمر بيه! خير يا فندم؟ الأطفال مالهم؟!
صرخت فيه بصوت هز الصالة المذهبة:
— البنت اللي كانت شغالة في جناحي فوق... سلمى! جيبوهالي من تحت الأرض فوراً! قبل ما تعدي بوابة الفندق الخارجية!
رئيس الأمن جرى على أجهزة اللاسلكي، وخلال دقيقتين بس، كانوا الحراس واقفين عند البوابة الخارجية وموقفين سلمى وهي شايلة شنطتها القماش الصغيرة ومغطية جسمها بالجاكيت.
مشيت ناحيتها بقلب بيخبط زي الطبول، والولاد أول ما قربوا منها وسمعوا صوت أقدامها،
سلمى لفت وبصت لي بثبات، عينيها ما كانش فيها خوف، كان فيها حزن عميق ورحمة.
نزلِت على ركبتي قدامها في وسط صالة الفندق وأنا شايل التوائم، صوتي خرج مكسور لأول مرة في حياتي:
— اسم أمي مكتوب في الورقة دي ليه؟ والتغنية اللي كنتِ بتغنيها ورا الباب... جبتيها منين يا سلمى؟!
سلمى بصت للولاد، ومدت إيديها بالراحة وأخدت يوسف من على كتفي. أول ما حطت رأسه على صدرها، يوسف أخد نفس عميق وغمض عينيه ونام في ثواني! ياسين وآدم هديوا وسكتوا تماماً كأنها سحر.
بصت لي سلمى وقالت بصوت هادي ودافي:
— أمك ماماتتش من 16 سنة يا عمر بيه... وأمك عمرها ما سابتك وهربت عشان الفلوس زي ما أبوك أفهمك طول السنين دي.
الكلمات نزلت عليّ زي طعنة خنجر في الصدر!
— إنتِ بتقولي إيه؟!
سلمى نزلت دموعها وقالت:
— الحاجة عالية... الست الطيبـة اللي ربتني وعالجتني في دار رعاية في المنصورة بعد ما أهلي اتوفوا. أمك عاشت 16 سنة مظلومة ومحرومة منك، بعد ما أبوك أخد منك كل أوراقك وشوه صورتها، ورماها في المصحة ومنعها ترجع لك عشان يتجوز شريكته في السوق!
أنا اتجمدت مكاني، الرؤية بقت ضبابية قدامي من شدة الصدمة:
— أمي... أمي عايشة؟!
— أيوة عايشة... وعايشة في بيت بسيط على أطراف بنها، صحتها تعبانة وجسمها مهدود من الحزن، لكن كل يوم بالليل كانت بتقعد تمسك صورتك وأنت صغير وتغني نفس التهويدة دي عشان تنام! ولما عرفت إن مراتك اتوفت وإنك خلفت 3 توائم ومش عارف تتصرف معاهم... بعتتني هنا بصفتي عاملة نظافة عشان أكون جنب ولادك وأحميهم وأديهم الدفا اللي حرمها أبوك منه!
أنا نزلت رأسي في الأرض وبكيت بحرقة... بكيت بكاء طفل عنده 8 سنين اتحرم من أمه. الفلوس، والنفوذ، والأبراج، والفنادق... كل حاجة تلاشت في ثانية قدام الحقيقة المرة. أبويا اللي كنت شايفه قدوتي، هو اللي دمر حياتي وحرم أمي مني وعيشني في كدبة
ركبت العربية في نفس الليلة... أخدت سلمى والتوائم الثلاثة وسافرنا على بنها.
وصلنا قدام بيت بسيط وصغير، نوره هادي وريحته ورد ولافندر.
فتحت سلمى الباب بالراحة، ودخلت.
في صالة البيت البسيطة، كانت فيه ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، شعرها أبيض وزي الثلج، ماسكة صورة قديمة لي وأنا طفل ومبتسمة بشرود.
أول ما دخلت... الست رفعت رأسها.
العينين هي نفس العينين... نفس النظرة الدافيّة اللي كنت بشوفها وأنا صغير.
صوتها خرج مرتعش، ضعيف ومخنووق بالدموع:
— عمر... يا حبيبي؟
أنا ما قدرتش أقف على رجلي. وقعت على ركبتي وجريت عليها، حطيت رأسي في صدرها وبكيت بأعلى صوتي:
— أمي... سامحيني يا أمي! سامحيني إني صدقت الكدب وعشت بعيد عنك طوال السنين دي!
أمي حضنتني بكل قوتها، إيديها المرتعشة كانت بتمسح على شعري ودموعها نازلة على وشي:
— مسامحاك يا نور عيني... أنا عمر ما زعلت منك، أنا كنت بدعي ربنا كل يوم إنه يرجعك ليا قبل ما أموت.
سلمى قربت بالتوائم الثلاثة، وحطت ياسين وآدم ويوسف في حضن جدتهم.
أمي مسكت وشوش الأطفال الصغيرة، وبستهم بحب وشغف وهي بتدندن نفس التهويدة دافية، والأطفال الثلاثة كانوا نايمين في سلام وعمق غريب، كأن أرواحهم كانت عارفة المكان الصح.
بعد مرور ستة أشهر...
قصر المنشاوي في القاهرة بقى مليان روح وحياة لأول مرة من سنين.
أمي نقلت تعيش معايا في القصر، ورعايتها الطبية بقت على أعلى مستوى وصحتها تحسنت بشكل ممتاز. التوائم الثلاثة كبروا وبقوا بيجروا في الجنينة وضحكاتهم مالية المكان، وعمرهم ما احتاجوا أجهزة ولا ممرضات بالليل تاني.
أما سلمى... فالست اللي دخلت بيتي كعاملة نظافة وأنقذت ولادي ورجعتلي أمي، بقت المشرفة الأولى والمسؤولة عن كل أعمال العيلة والمؤسسات الخيريّة اللي أنشأتها باسم أمي "عالية".
وقفت في بلكونة القصر، باصص على أمي وهي قاعدة في الجنينة بتلعب التوائم
أخدت نفس عميق ودافي، وعرفت وقتها إن أعظم ثروة في الدنيا مش الفلوس ولا المباني الفخمة... الثروة الحقيقية هي الأم، والحضن الصادق اللي بيبدد أي جحيم ويعيد السلام للروح.
تمت