هدية حماتي حكايات زهرة

لمحة نيوز

له، وقلبي لأول مرة حس إنه سمعني.
حماتي قعدت مكانها من غير كلمة.
أما أنا، فطلعت شقتي.
قفلت الباب ووقفت وراه.
ولأول مرة من عشر سنين، سمعت صوت السفرة تحت...
من غير ما يكون فيه حد بينادي
يا سعاد!
ابتسمت.
لكن الحكاية ما كانتش خلصت.
لأن حماتي، وهي قاعدة تحت، كانت بتبص لسلفاتي وبعدين تبص للسلم.
وقالت جملة خلت كل اللي قاعدين يسكتوا
واضح إننا ظلمناها... بس أنا مش هسيب الموضوع يعدي كده.
وهي ما كانتش تعرف إن اللي جاي كان هيغيّر شكل البيت كله
حماتي فضلت قاعدة مكانها، ساكتة، وكأن الكلام اللي سمعته مني كان تقيل عليها أكتر من أي إهانة هي قالتها لي.
أما أنا، فطلعت شقتي وقفلت الباب ورايا.
قعدت على طرف السرير، وبصيت لإيديا.
الإيدين اللي اتشققوا من الصابون، واتحرقوا من الزيت، واتقطعوا من السكينة، وشالوا أطباق وأحواش وغسيل سنين.
افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.
كنت بنت صغيرة، داخلة وأنا فاكرة إن بيت جوزي هيبقى بيتي، وإن حماتي هتبقى زي أمي.
كنت بفرح لما أعمل أكلة تعجبها، وأستنى منها كلمة حلوة كأنها جايزة.
لكن مع الوقت، الكلمة الحلوة اختفت، وفضلت الطلبات.
يا سعاد اعملي.
يا سعاد هاتي.
يا سعاد نضفي.
يا سعاد الواد عايز ياكل.
وكل ما كنت أعمل أكتر، كانوا يطلبوا أكتر.
لحد ما بقيت مش عارفة أنا مرات أحمد ولا عاملة عند العيلة.
دمعت عيني، بس المرة دي مسحت دموعي
بسرعة.
أنا مش عايزة أعيط.
أنا عايزة أعيش.
عدى يومين والبيت كان حاله غريب.
كل واحدة بقت تعمل لنفسها أكل.
حماتي نفسها اضطرت تنزل المطبخ، وسلفاتي اكتشفوا إن المواعين مش بتتغسل لوحدها، وإن الأكل مش بيطلع من التلاجة سخن جاهز.
أما أنا، فكنت عاملة
نظام جديد.
بيتي الأول، نفسي الأول، وبعدهم أي حد محتاج مساعدة أساعده بمزاجي.
الغريب إن أحمد بدأ يتغير.
رجع من الشغل في يوم، لقى البيت هادي، والأكل موجود عندنا إحنا بس.
بصلي وقال إنتِ عاملة أكل؟
قلت أيوه.
قال وماما؟
قلت كل واحد بقى مسؤول عن بيته.
سكت شوية، وبعدين قال أنا آسف.
بصيت له باستغراب.
قال على سكوتي يومها.
فضلت ساكتة.
قرب مني وقال أنا عارف إني غلطت. كنت فاكر إني لو سكت هبعد المشاكل عني، بس أنا اكتشفت إني بس كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك.
قلت أنا ما كنتش محتاجة منك تخاصم أمك عشاني يا أحمد. كنت محتاجة بس تحطني في نفس مكانتها كإنسانة.
هز راسه.
عندك حق.
ولأول مرة من عشر سنين، حسيت إن جوزي بدأ يشوفني فعلًا.
بعد أسبوع، حماتي طلبتني.
نزلت لها، وأنا متوقعة إنها هتبدأ خناقة.
لكنها كانت قاعدة لوحدها.
قالت اقعدي.
قعدت.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت أنا فكرت في كلامك.
قلبي اتقبض.
قالت وأنا عارفة إني ظلمتك.
ما توقعتش الكلمة دي منها.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
كملت كنت شايفة إنك لو بتعملي كل حاجة يبقى ده الطبيعي،
ولما بطلتِ حسيت قد إيه البيت كان معتمد عليكِ.
قلت بهدوء أنا ما كنتش عايزة أسيبكم، يا حماتي.
قالت عارفة.
أنا كنت عايزة أحس إنكم مقدرين ده.
نزلت عينيها.
وبعدين
قالت والقميص...
سكتت.
قلت القميص وجعني، بس مش أكتر حاجة.
قالت عارفة.
أكتر حاجة وجعتني إنك قلتي الكلام ده قدام الكل.
تنهدت وقالت أنا غلطت.
كانت أول مرة أسمع منها اعتذار صريح.
مدت إيدها ناحيتي.
سامحيني.
بصيت لإيدها شوية.
وبعدين مسكتها.
سامحتك.
لكن قبل ما تفرح، كملت
بس السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول.
بصتلي باستغراب.
قلت أنا هفضل مرات ابنك، وهفضل أحبك وأساعدك، بس مش هقبل إهانة، ومش هتحمل البيت كله لوحدي.
هزت راسها.
عندك حق.
بعدها بكام يوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
سلفاتي نفسهم جم عندي.
الأولى قالت سعاد... إحنا عايزين نقولك حاجة.
قلت قولي.
قالت إحنا كمان كنا غلطانين.
التانية ضحكت بصراحة، أنا جربت أعمل المحشي لوحدي... وطلع مصيبة.
ضحكت رغمًا عني.
الأولى قالت وكمان اكتشفنا إن العيال بياكلوا أكتر مما إحنا متخيلين.
قلت أهو عرفتوا.
قالت وعرفنا إنك كنتِ بتتعبي فعلًا.
بصيت لهم.
أنا مش عايزة خناق معاكم. أنا بس عايزة كل واحدة تعرف حدودها.
قالت من النهارده نتقاسم الشغل.
ابتسمت.
اتفقنا.
عدت الأيام، والبيت اتغير.
بقينا نتجمع عند حماتي يومين في الأسبوع، وكل واحدة بتجيب حاجة.
واحدة تعمل صينية،
والتانية تجيب سلطة وحلو، وأنا أعمل أكلة، وحماتي تختار اللي نفسها
فيه.
ولو واحدة تعبانة، الباقي يساعدها.
ما بقاش فيه شخص واحد شايل الكل.
أما أنا، فبقيت أهتم بنفسي.
بقيت أخرج مع أحمد، وأزور صحابي، وأشتري هدوم جديدة، وأقعد أشرب قهوتي من غير ما أحس بالذنب.
وفي يوم جمعة، كنت نازلة عند حماتي وأنا لابسة فستان أحمر.
أول ما دخلت، حماتي بصتلي وقالت
ما شاء الله يا سعاد... منورة.
ابتسمت.
وبعدين ضحكت وقالت
القميص الأحمر طلع له فايدة.
كلنا ضحكنا.
بس أنا قربت منها وقلت بس المرة دي، أنا اللي اخترت الأحمر.
ضحكت وقالت وأنا اللي هدفع تمنه لو عايزة واحد زيه.
ضحكنا كلنا.
وفي اللحظة دي فهمت إن أوقات كتير، المشكلة مش في البيت ولا في الأكل ولا في الخدمة.
المشكلة إننا بنسكت لحد ما الناس تفتكر إن سكوتنا موافقة.
أنا ما كنتش عايزة أنتقم من حماتي، ولا أخرب بيت العيلة.
أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس...
إنهم يشوفوا سعاد.
مش الست اللي بتطبخ.
مش الست اللي بتنضف.
مش الست اللي بتجري على طلباتهم.
يشوفوا الإنسانة اللي ليها قلب بيتوجع، وليها كرامة، وليها حق إنها ترتاح.
ومن يومها، كل ما حد يطلب مني حاجة، لو قدرت أعملها بعملها من قلبي.
ولو مقدرتش، بقول بمنتهى الهدوء
معلش، مش هقدر.
ومن غير خوف.
ومن غير إحساس بالذنب.
لأن حماتي في يوم رمت قميص نوم في وشي قدام الكل عشان تجرحني.
..
لكنها من غير
ما تقصد، كانت بترمي آخر حاجة كانت ماسكاني في المكان ده
خوفي من إنهم يزعلوا مني.
ومن يومها...
بطلت أخاف.
وبقيت أخيرًا
أعيش.

تم نسخ الرابط