حجّ في السماء قبل أن يحجّ في الأرض قصة الرجل الذي باع حلمه ليُنقذ طفلاً

لمحة نيوز

يبكي بصمت.
ثم وقف وقبل رأسه وقال
والله ما شعرت بخجل في حياتي مثل هذا اليوم حججت عشر مرات ولم أفعل شيئا مما فعلت.
ذهبت أنا إلى بيت الله أما أنت فالله دعاك.
وهما يغادران الصالة قال سعيد
أرأيت كيف يجازي الله من آثر غيره
من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
بعد عودتي من الحج وأنا أراجع كل ما حدث أيقنت أن الله لا يغلق بابا على عبد صادق إلا ليفتح له أبوابا لم يكن يحلم بها.
ما قدمته لذلك الطفل لم يكن كثيرا لكنه كان من القلب. وحين يعطي القلب يعطي الله فوق ما يتصور.
عدت إلى عملي وكانت المفاجأة أن صاحب المستشفى قد أصدر قرارا بتعييني مديرا لقسم العلاج الطبيعي. لم أطلب المنصب ولم أكن يوما ممن يلهثون خلفه لكنه الرزق حين يأتيك لأنك نويت الخير.
وفي ذات اليوم دخلت أم أسامة إلى مكتبي وكانت تحمل طبقا من الحلوى ودموعها لا تتوقف وقالت
ابني بدأ يمشي يا أستاذ سعيد والله بدأ يمشي!
ثم انحنت تقبل يدي فانتفضت وأنا أقول
لا تفعلي ذلك أنا فقط كنت سببا ولكن من شفا هو الله.
في ليلة من ليالي شكر الله وأنا أصلي دخل ابني
الصغير مالك إلى الغرفة وجلس ينتظرني بصمت.
بعد الصلاة قلت له
ماذا بك يا بني
قال
بابا أنا فخور بك!
لماذا
لأني سمعت القصة من ماما وسمعت أنك تبرعت بفلوس الحج علشان ولد ما تعرفوش وربي كافأك بالحج هدية.
حضنته بقوة وقلت له
افعل الخير يا بني ولو كنت تظن أنه سيضيع فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
منذ ذلك اليوم أصبح ابني يقول لأصدقائه بفخر
أبويا حج وهو نايم وحج من غير ما يدفع ريال!
كان لدي زميل يعمل في نفس المستشفى. غني جدا يركب أفخم السيارات ويملك عدة شقق ومشاريع.
حين علم بما حدث جلس معي وقال
أخ سعيد كيف ضحيت بفلوسك كده ده جنون!
ابتسمت وقلت له
من يبيع حلمه لإنقاذ حياة سيشتري الله له أضعاف ما باع.
مرت سنوات وظل زميلي يسافر ويحج كل سنة تقريبا لكنه اعترف لي بعد ذلك
كل ما أرجع من الحج أحس إن قلبي ناقص وكأنني زرت بيت الله بجسدي فقط أما أنت حججت بروحك أولا.
بعد سنوات من تلك الحادثة وفي حفل تكريمي نظمته إحدى الجمعيات الخيرية تم اختياري ضمن المكرمين على مستوى المملكة.
ليس لأنني طبيب ناجح فقط بل لأنني اخترت
أن أكون إنسانا قبل كل شيء.
وقف المذيع على المسرح وقال أمام الحضور
ومن بين مئات المرشحين اخترنا الأستاذ سعيد يوسف لأنه علمنا أن التضحية ليست فعلا بطوليا فقط بل رسالة ربانية لمن أحب الله بصدق.
بكيت وأنا أستلم الدرع وشعرت أن الله يعطيني إشارات من السماء تقول لي
أنا لا أنسى فقط أصبر وسأريك من فضلي ما يدهشك.
وفي سنة من السنوات أصبت بانزلاق غضروفي حاد وبات من الصعب علي الحركة.
تم نقلي إلى أحد المستشفيات الكبرى وهناك أدخلت إلى غرفة العلاج الفيزيائي لأجد أمامي شابا يقول لي بابتسامة واسعة
الدكتور سعيد!
نظرت إليه لم أميزه في البداية ثم قال
أنا أسامة الطفل اللي علجتني من سنين وجيت أكون مثلك.
ابتسمت والدموع تملأ عيني وقلت له
الآن أنا المريض وأنت المعالج!
قال
دعني أرد لك شيئا بسيطا من ما قدمته لي أنت السبب في كل ما أنا عليه.
سبحان الله من ساعد يساعد ومن رحم يرحم.
في ليلة من ليالي رمضان بعد التراويح جلست وحدي في المصلى أناجي ربي
يا رب كم من أبواب فتحتها لي وأنا لا أستحق فقط لأنني وضعت إنسانا قبلي.
سمعت
صوت الإمام يتلو
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا.
أغلقت عيني وقلت في قلبي
اللهم اجعل كل من ساعد إنسانا خالصا لوجهك أن يرى البركة في عمره وعافيته وولده وماله.
لم تكن قصتي رحلة إلى مكة فقط بل كانت رحلة داخل النفس.
تعلمت أن من يترك شيئا لله يعوضه الله بأفضل مما يتخيل.
تعلمت أن الإنفاق الحقيقي ليس في الزائد بل حين تعطي من حاجتك.
وأن الرحمة لا تحتاج مالا كثيرا فقط قلبا حيا.
واليوم وبعد مرور أعوام على تلك الحادثة كلما نظرت إلى الكعبة من جديد أردد
اللهم إنك أكرمتني بحج في السماء ثم فتحت لي أبواب الأرض.
اللهم اجعلني من عبادك الذين يزرعون الرحمة ولو بكلمة ولو بابتسامة ولو بريال.
إلى كل من ظن أن الخير يضيع إلى كل من تردد في العطاء وهو محتاج
اعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
واعلم أن المال قد يبني بيتا لكنه لا يبني القلوب أما العطاء فهو مفتاح السماء طريق للبركة وأساس لرضا ربك عنك.
ربما تتخلى عن حلمك لأجل إنسان لكن الله سيعيد إليك الحلم بأجمل مما تمنيت.
سيجعل من قصتك
نورا ومن دمعتك دعاء مستجابا ومن صبرك نهرا لا ينضب من الخيرات.

تم نسخ الرابط