مزارعة غلبانه
الداكنة التي تلفت الأبصار، ورائحة الخضار الطبيعي الفواحة ملأت القرية.
المزاد الشرس
جاء اليوم الموعود. انتهى الشهر، ولم تستطع مريم توفير كامل مبلغ الدين والفوايد المركبة التي فرضها رجب. تجمع أهل القرية، وتجار الأراضي، ورجال أعمال جاءوا من خارج الفيوم أمام مقر جلسات المزايدة والمحكمة.
وقف رجب السيوفي وسط رجاله يرتدي جلبابه الفاخر، والابتسامة لا تفارق وجهه. كان يقدم أوراق نقل الدين ويتأهب لإغلاق المزاد لصالحه بأقل سعر ممكن، ليستولي على ال 25 فدانًا بكسور قيمتها الحقيقية.
جلس الخبير الثمين ونادى المنادي
المزاد المفتوح على الأرض الزراعية المحددة بالقطعة رقم 402، البالغ مساحتها 25 فدانًا، لسداد الدين المسجل لصالح السيد رجب السيوفي! نبدأ المزاد بمليون جنيه!
رفع رجب إبهامه بثقة وقال
مليون و ألف.
ساد الصمت بين الحضور؛ فجميع تجار القرية كانوا يخشون نفوذ رجب ولا يستجرؤون على المزايدة أمامه.
وقف المنادي
مليون و ألف.. حد يزود؟ مليون و ألف للمرة الأولى.. مليون و ألف للمرة التانية...
كانت مريم تقف في آخر القاعة، ترتدي عباءتها السوداء، وتعتصر شالها بين يديها والدموع محبوسة في عينيها. كانت ترى أرض أبائها وأجدادها تضيع أمام عينها في لحظات.
وفجأة.. رن صوت جهوري وثابت من قاع القاعة
3 ملايين جنيه!
التفت الجميع في ذهول، وشخصت أبصار الحاضرين نحو
إنهما الحاج حسن والحاجة فاطمة!
ارتفعت حواجب رجب السيوفي وغضب بحدة
إيه التهريج ده؟! مين دول؟ المزاد ده للناس الجادين اللي معاهم سيولة ونقدية مش للشحاتين!
وقف الحاج حسن بكل ثبات وتقدم نحو منصة المزاد، وأخرج من حقيبته الجلدية الشيك البنكي المعتمد وأبرزه لرئيس الجلسة
الشيك ده مقبول الدفع وموثق من البنك الأهلي المصري باسم المحكمة. ونحن جاهزون للمزايدة.
اشتعلت القاعة بالهمسات والدهشة. نظر رجب إلى الحاج حسن بغضب مكتوم وصرخ
3 ملايين ونص!
رد الحاج حسن دون أن يطرف له جفن
5 ملايين جنيه!
ساد الذهول. المبلغ تجاوز القيمة السوقية للديون بكثير، ووصل لسعر الأرض الأصلي قبل الأزمة. اصفرّ وجه رجب، وحاول أن يرفع السعر مجددًا
5 ملايين و ألف!
رد الحاج حسن بهدوء قاتل
7 ملايين جنيه!
جلس رجب مذهولاً لا يستطيع النطق. ضرب رئيس الجلسة بصلجته على الطاولة
7 ملايين جنيه للمرة الأولى.. 7 ملايين للمرة الثانية.. 7 ملايين للمرة الثالثة! مبروك للحاج حسن إبراهيم شراء الأرض وتصفية كافة الديون المتعلقة بها!
الحقيقة الغائبة
انتهت الجلسة وسط صدمة رجب وذهول أهل القرية. وقفت مريم مكانها لا تفهم شيئًا. الرجل وزوجته اللذان أطعمتهما في ليلة مطر وقاسمتهم عشاءها، اشتريا أرضها
اقترب الحاج حسن والحاجة فاطمة من مريم. التقت أعينهم، وفي تلك اللحظة أخرج الحاج حسن من جيبه الملف البني القديم الذي أخرجه في تلك الليلة الماطرة، وقدمه لمريم.
أظن جه الوقت يا مريم عشان تعرفي الحقيقة.. وتعرفي إحنا مين.
فتحت مريم الملف بيدين ترتجفان. أخرجت الصورة القديمة؛ كانت لوالدها الرحال عبدالرحمن وبجواره الحاج حسن وهما في شبابهم، وعلى الجانب الآخر صورة ل رجب السيوفي.
قال الحاج حسن بنبرة ملؤها الأسى والحنين
أبوكِ عبدالرحمن الله يرحمه.. كان أقرب صديق ليا وشريكي في بدايتنا زمان. ومن 30 سنة، رجب السيوفي ده اللي كان ساعتها شاب شغال معانا خان الأمانة وسرق أوراق ومبالغ مالية كبيرة وتسبب في إفلاس شركتنا وسجنّي في قضية تزوير هو اللي دبرها لي!
تجمعت الدموع في عين الحاج حسن وواصل
أبوكِ عبدالرحمن عمل كل اللي يقدر عليه عشان يثبت براءتي، لكنه ما قدرش. وبسبب حزنه عليا وتأنيب الضمير، اعتزل التجارة واشترى الأرض دي في الفيوم وعاش فيها بعيد عن قرف الدنيا. وأنا بعد ما خرجت وسافرت برة مصر، ربنا فتحها عليا وكبرت تجارتي، بس فضلت طول السنين دي أدور على حقنا وعلى شريكي اللي قطعت أخباره.. لحد ما عرفت إنه اتوفى وأن أرضه مهددة بالبيع على إيد نفس الشخص اللي دمر حياتنا زمان رجب السيوفي!
أكملت الحاجة فاطمة وهي تحتضن مريم
لما جينا لك في
وردّ الإحسان بالإحسان
أخرج الحاج حسن عقد الملكية الجديد الذي كُتب باسم مريم عبدالرحمن، بالإضافة إلى أوراق تُثبت تورط رجب السيوفي في قضايا تزوير واستغلال نفوذ قديمة تم إحالتها للنيابة العامة بفضل المستندات التي جمعها حسن طوال السنين الماضية.
في تلك اللحظة، كان رجال الشرطة يدخلون القاعة للقبض على رجب السيوفي بتهم التزوير والتحايل المالي.
نظر الحاج حسن لمريم وقال بابتسامة دافئة
الأرض دي أرضك من الأول يا مريم.. والدين اتسدد بالكامل من حق أبوكِ القديم اللي كان عندي. وإحنا مش بس اشترينا الأرض، إحنا أسسنا شركة مساهمة لتصدير المحصول العضوي اللي زرعتيه بإنتاج التقاوي النادرة بتاعة أباكِ، وإنتِ الشريك التنفيذي ورئيسة المزرعة.
بكت مريم بكاءً طويلاً، لكنه كان بكاء الفرح والارتياح. رفعت رأسها للسماء وشكرت الله، وتذكرت كلمات والدها المدونة على ورقة التقاوي القديمة
لو يوم من الأيام الفلوس خلصت.. افتكري إن الأرض عمرها ما بتفلس. البذرة الواحدة ممكن تعمل موسم كامل.
ولم تكن البذرة التي زرعتها مريم مجرد بذور طماطم وجزر، بل كانت بذرة خير