باعت بيتها الوحيد لتحج بيت الله الحرام… وما حدث لها يوم عرفة أبكى كل من كان معها

لمحة نيوز

فهي لم تعد معنا أصلًا.

وكلما تذكرت ذلك، غلبتني دموعي.

تذكرت ابتسامتها، وهدوءها، وطريقتها وهي تتحدث عن الله بثقة عجيبة، وكأن قلبها كان يرى شيئًا لا نراه نحن.

وتذكرت تلك الوريقات التي كتبتها ووزعتها علينا قبل يوم عرفة.

كانت قد قالت لنا:

[ناشدتكم الله ألا تفتحنَها إلا بعد عودتكم]

وفي ذلك الوقت، لم نفهم سر طلبها.

ظننا أنها مجرد كلمات أرادت أن تتركها لنا، أو نصيحة كتبتها على عجل، ولم يخطر ببال واحدة منا أن تلك الورقة ستصبح بعد أيام قليلة ذكرى نحملها من إنسانة لن نراها مرة أخرى.

لما عُدنا، كان كل ما يشغل بالي هو فتح الورقة التي كتبتها لنا حبيبة.

وضعتها أمامي وظللت أنظر إليها للحظات.

ترددت في فتحها.

شعرت وكأنني إذا فتحتها سأسمع صوتها من جديد، وسأراها جالسة أمامنا كما كانت في أيام الحج، تحدثنا بذلك الهدوء الذي جعل كلماتها تدخل إلى قلوبنا دون استئذان.

أمسكت الورقة بيدي، وكانت دموعي تسبقني.

ثم فتحتها.

لم

تكن رسالة طويلة.

لم تكتب فيها شيئًا عن بيتها الذي باعته، ولم تطلب منا أن نبحث لها عن مسكن، ولم تترك وصية تتعلق بشيء من أمور الدنيا التي كنا منشغلات بها من أجلها.

وجدتُ فيها:

[بسمِ اللهِ الرحمٰن الرحيم، من المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ما عاهدُوا اللهَ عليهِ، الحمدُللهِ الذي لم يخذُل صادقًا، بالصدق بلغ أصحابُ النبي فهلّا صدقنا؟]

توقفت طويلًا عند آخر كلماتها:

[فهلّا صدقنا؟]

قرأتها مرة.

ثم مرة ثانية.

ثم عدت أقرأ الرسالة من أولها.

وفي كل مرة كنت أشعر أن السؤال أصبح أثقل على قلبي.

فهلّا صدقنا؟

كم مرة قلنا إننا نحب الله، ثم غلبتنا الدنيا؟

وكم مرة تمنينا القرب منه، ثم شغلتنا أمور صغيرة لا تكاد تساوي شيئًا؟

وكم مرة تحدثنا عن اليقين والتوكل، ثم اضطربت قلوبنا عند أول اختبار؟

أما هي، فلم تكتفِ بالكلام.

لقد باعت الشيء الذي كانت تملكه في هذه الدنيا، وجاءت إلى بيت الله وهي لا تعرف أين ستعيش بعد عودتها.

وعندما سألناها

عن الغد، لم تكن تملك خطة واضحة، لكنها كانت تملك شيئًا ربما كان أعظم من كل الخطط:

حسن الظن بالله.

كانت تقول إن لها ربًا لا ينساها.

وكنا نحن نفكر في البيت والإيجار والعمل وما سيحدث بعد عودتها، بينما كان قلبها متعلقًا بشيء آخر تمامًا.

بكيتُ لساعاتٍ طوال.

لم أكن أبكي فقط لأنها رحلت، بل لأن كلماتها جعلتني أنظر إلى نفسي بطريقة مختلفة.

تذكرت كل الأشياء التي كنت أظنها كبيرة، فإذا بها تصغر أمام ذلك اليقين الذي رأيته فيها.

وتذكرت يوم عرفة، ولقاءنا الأخير بها، وابتسامتها عندما طلبت منها ألا تنساني من صالح دعائها.

قالت لي يومها:

[لم أنسَ لا تقلقي، اسأل الله ألا ينساكِ]

لم أكن أعرف أن تلك ستكون من آخر الكلمات التي سأسمعها منها.

وكلما تذكرتها ارتجف قلبي.

لقد كان موقف موتها مهيبًا، وبقي المشهد حاضرًا في ذاكرتي مهما مرت الأيام.

لكن أكثر ما بقي معي لم يكن مشهد الرحيل وحده، وإنما تلك الرسالة القصيرة.

ورقة صغيرة،

وكلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتعيد إلى قلبي أسئلة كثيرة كنت أهرب منها.

هل نصدق فعلًا فيما نقوله؟

هل نثق بالله حين تضيق بنا الأسباب؟

هل يبقى يقيننا ثابتًا عندما نفقد شيئًا نحبه؟

وهل نستطيع أن نقدم لله شيئًا من الدنيا التي نتعلق بها، ونحن نرجو ما عنده؟

لقد صلّى عليها جمع غفير من المسلمين، وكان مشهدًا لن أنساه ما حييت.

هذا ما رأيناه نحن من تشريف أهل الأرض، أما ما بينها وبين ربها، وما أعده الله لعباده، فأمره إليه سبحانه، وهو أرحم الراحمين.

وعندما أعود بذاكرتي إلى بداية القصة، أتذكر سؤالنا الأول لها:

[كيف أتيتِ إلى هنا؟]

وإجابتها التي لم نفهم معناها كاملًا وقتها:

[أتيتُ بالحُب]

بعد كل ما حدث، أصبحت تلك الكلمات مختلفة في قلبي.

جاءت وهي تحمل حبًا عظيمًا ورجاءً كبيرًا، وتركت لنا قبل رحيلها سؤالًا لم أستطع أن أنساه:

[فهلّا صدقنا؟]

رحمها الله رحمة واسعة، وتقبل منها، وغفر لنا ولها، وأصلح قلوبنا، ورزقنا صدق

النية وحسن العمل وحسن الظن به.

رُحماك يا رب، لقد أسرفنا، فهلا قبلتنا وأدخلتنا في الصالحين؟

إنا لله وإنا إليه راجعون..

تم نسخ الرابط