اشترى 90 سريرًا من مستشفى عراقي قديم… الجميع ظن أنه يجهّز دارًا للمسنين، حتى اكتشفوا السر الذي كان يخفيه تحت كل سرير!
انقبضت الأجواء داخل المخزن، وكأن المكان تحول في لحظة إلى ساحة مواجهة.
وتوقف كل شيء عند صوت المفتاح الذي كان يتحرك ببطء داخل قفل الباب الحديدي.
كان الصوت واضحًا في ذلك الصمت الثقيل.
شخص ما كان في الخارج.
والأغرب أنه لم يحاول كسر الباب أو طرقه.
بل كان يملك مفتاحًا.
مفتاحًا يستطيع به الدخول إلى المكان الذي ظن حيدر أنه أحكم إغلاقه.
وقف أبو جاسم في مكانه مذهولًا، ويداه ترتجفان قليلًا، بينما بقيت عيناه معلقتين بالشاشة الخاصة بالسرير رقم 90.
كان الاسم لا يزال ظاهرًا عليها
حيدر العبيدي حي.
أما حيدر، فلم يتحرك.
ظل واقفًا بجوار السرير رقم 90، يراقب الباب وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
تحرك المفتاح مرة أخرى.
ثم سُمع صوت القفل.
وانفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء.
ظهر عند المدخل رجل في أوائل الخمسينيات من عمره.
كان يرتدي معطفًا خفيفًا، وقد غطى الشيب شعره بالكامل، بينما كانت عيناه تتحركان في أرجاء المخزن ببرود شديد.
توقف أبو جاسم عن التنفس للحظات.
كان يعرف هذا الوجه.
بل إن كثيرين في بغداد كانوا يعرفونه قبل أكثر من عشرين عامًا.
تمتم أبو جاسم بصوت يكاد لا يُسمع
مستحيل...
ثم تراجع خطوتين إلى الخلف وقال
الدكتور هشام الراوي؟!
رفع الرجل عينيه نحوه.
ظل أبو جاسم يحدق فيه غير مصدق.
كان الدكتور هشام الراوي نائب مدير المستشفى القديم وقت حادثة عام 2004.
والرجل نفسه الذي قيل رسميًا إنه توفي أثناء الحريق.
قال أبو جاسم بصوت مرتجف
أنت... ما زلت حيًا؟
ظهرت على وجه الدكتور هشام ابتسامة باردة.
لكنه لم
كانت عيناه مثبتتين على حيدر.
ثم نظر إلى الأسرّة التسعين، وإلى الشاشات المضيئة أمامها، وقال بهدوء
أهلًا يا حيدر.
لم يرد حيدر.
تابع الدكتور هشام
كنت أعرف أن الشخص الوحيد الذي قد يعود يومًا للبحث في هذه القصة... هو أنت.
بقي حيدر بجوار السرير رقم 90.
لم تظهر على وجهه علامات الخوف أو المفاجأة.
وكأنه كان يعرف تمامًا من سيدخل من ذلك الباب.
قال حيدر
عشرون عامًا يا دكتور هشام.
ساد الصمت.
تابع حيدر
عشرون عامًا والناس تعتقد أن الحريق الذي وقع في المستشفى كان مجرد حادث بسبب تماس كهربائي، وأن عدد من فقدوا حياتهم لم يتجاوز سبعة عشر شخصًا.
نظر نحو الأسرّة.
ثم قال
بينما الحقيقة كانت أكبر بكثير.
تغيرت ملامح الدكتور هشام قليلًا.
لكن حيدر لم يتوقف.
تسعون شخصًا كانت أسماؤهم مرتبطة بهذه الأسرّة. ملفات اختفت، وسجلات تغيرت، وأسماء أُزيلت من الأرشيف، وبعد ذلك أُغلقت القضية وكأن شيئًا لم يحدث.
قال الدكتور هشام ببرود
وماذا تريد الآن؟
اقترب حيدر خطوة.
الحقيقة.
ضحك الدكتور هشام ضحكة قصيرة.
بعد عشرين عامًا؟
حتى لو مرت خمسون سنة.
اختفت الابتسامة من وجه الدكتور هشام.
ثم تقدم خطوة إلى الداخل.
وفي تلك اللحظة، ظهر خلفه رجلان عند مدخل المخزن.
توقف أبو جاسم فورًا عندما رآهما.
كان الموقف قد أصبح أكثر توترًا.
قال الدكتور هشام
وما فائدة كل هذه الأسرّة يا حيدر؟
نظر حوله باستهزاء.
هل تعتقد أن وضع تسعين سريرًا هنا سيعيد الماضي؟
لم يجب حيدر.
تابع الدكتور هشام
المستشفى أُغلق منذ سنوات، وكثير من الملفات
رفع حيدر عينيه إليه.
أكثر مما تتخيل.
ابتسم الدكتور هشام.
كنت طفلًا وقتها.
سكت حيدر.
ثم نظر إلى السرير رقم 90.
وقال
نعم.
وتابع بعد لحظة
كنت الطفل الموجود على هذا السرير.
نظر أبو جاسم إلى حيدر بسرعة.
بدأ يفهم الآن سبب وجود صورته على الشاشة.
قال الدكتور هشام
طفل صغير لا يستطيع أن يتذكر كل شيء.
أجابه حيدر
ربما.
ثم أشار إلى الصندوق الموجود أسفل السرير.
لكن التسجيلات تتذكر.
اختفت ابتسامة الدكتور هشام تمامًا.
أكمل حيدر
والملفات تتذكر.
ثم نظر إلى الكاميرات المنتشرة في سقف المخزن.
والكاميرات أيضًا تتذكر.
رفع الدكتور هشام رأسه نحو إحدى الكاميرات.
وفي تلك اللحظة فقط، تغير وجهه.
ابتسم حيدر بهدوء.
وقال
هل كنت تعتقد أنني اشتريت تسعين سريرًا فقط لكي أعيد شكل المستشفى القديم؟
لم يجب الدكتور هشام.
اتجه حيدر نحو أحد الصناديق الخشبية المثبتة أسفل الأسرّة، وفتحه.
لكن الصندوق لم يكن فارغًا.
كانت بداخله مجموعة من الأجهزة والأسلاك ومعدات التسجيل والاتصال.
قال حيدر
هذه الصناديق لم تكن مجرد صناديق خشبية.
نظر الدكتور هشام إليها.
تابع حيدر
كل واحد منها يحتوي على جزء من منظومة تسجيل وحفظ ونقل للبيانات.
ساد الصمت داخل المخزن.
قال أبو جاسم
نقل إلى أين؟
نظر إليه حيدر.
ثم قال
إلى أكثر من جهة.
عاد بنظره إلى الدكتور هشام.
كل ما يحدث داخل هذا المخزن يتم تسجيله وحفظه في أكثر من مكان.
اقترب الدكتور هشام منه خطوة.
أوقف الأجهزة.
هز حيدر رأسه.
فات الأوان.
قلت لك أوقفها.
لكن حيدر بقي ثابتًا.
ثم أشار إلى إحدى الشاشات.
ظهرت عليها مجموعة من التسجيلات والوثائق القديمة التي جمعها طوال السنوات الماضية.
قال حيدر
منذ اللحظة التي دخلت فيها من هذا الباب، بدأت المنظومة بحفظ كل شيء.
تغيرت ملامح الدكتور هشام.
أما حيدر فتابع
صوتك.
ثم أشار إلى الكاميرا.
صورتك.
وأشار إلى المفتاح الموجود في يد الدكتور هشام.
وحتى دخولك إلى مخزن مغلق بمفتاح لم يكن من المفترض أن يكون معك.
نظر الدكتور هشام إلى المفتاح في يده.
لأول مرة، بدا عليه الارتباك.
لكن حيدر لم يمنحه فرصة للكلام.
قال
كنت أحتاج إلى شيء واحد فقط.
ما هو؟
أن تأتي بنفسك.
ساد الصمت.
نظر أبو جاسم إلى حيدر بدهشة.
وبدأ يفهم أخيرًا.
كل ما فعله حيدر خلال الأشهر الماضية...
الأسرّة.
الصناديق.
الشاشات.
الكاميرات.
المولد الكهربائي.
الأقفال.
وحتى زياراته المتكررة لأرشيف المستشفى.
لم يكن مجرد محاولة لمعرفة الحقيقة.
كان يبني شيئًا أكبر.
كان ينتظر شخصًا.
وكان الدكتور هشام هو ذلك الشخص.
قال الدكتور هشام بغضب
تظن أنك أذكى من الجميع؟
أجابه حيدر
لا.
ثم أضاف
لكنني كنت أكثر صبرًا.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر ضوء قوي خارج نوافذ المخزن.
ثم ضوء ثانٍ.
وثالث.
تجمد أبو جاسم في مكانه.
وبعد ثوانٍ، بدأت أصوات سيارات تقترب من المنطقة الصناعية.
نظر الدكتور هشام نحو الباب.
ثم عاد بنظره إلى حيدر.
قال
ماذا فعلت؟
أجابه حيدر
الشيء الذي كان يجب أن يحدث منذ عشرين عامًا.
ازدادت الأصوات في الخارج.
وبعد لحظات، أصبحت
وصلت الجهات الأمنية المختصة، ومعها مسؤولون عن التحقيق، بعد أن كانت المعلومات والأدلة التي جمعها حيدر قد وصلت إلى الجهات المعنية قبل هذه