أمام القاضي حاول إسقاط حضانتها واتهامها بعدم الاستقرار… لكن اعتراف ابنه قلب القضية رأسًا على عقب
وفي تلك اللحظة…
شحب وجه فراس بطريقة جعلت القاعة كلها تصمت.
تبادل المحامون النظرات بسرعة، بينما اعتدل القاضي في جلسته ونظر إلى آدم باهتمام أكبر.
حتى رنا، الجالسة خلف فراس بثيابها الأنيقة وملامحها الباردة، بدا التوتر واضحًا على وجهها لأول مرة منذ بداية الجلسة.
قال القاضي بهدوء:
— ما الذي تقصده يا آدم؟
ابتلع ابني ريقه بصعوبة.
ثم قال بصوت خافت:
— كنت أرى أبي يعطي أمينة أشياء لتضعها في عصير أمي.
تجمدتُ بالكامل.
ونظرت نحو فراس ببطء…
لكنني لم أجد على وجهه سوى ذلك الشحوب الذي بدأ يزداد ثانية.
قال المحامي بسرعة:
— سيدي القاضي، الطفل صغير وقد يكون مرتبكًا…
لكن القاضي قاطعه بحزم:
— دعه يُكمل.
عاد آدم ينظر إلى الأرض وهو يشبك أصابعه الصغيرة ببعضها.
ثم قال:
— كنت أراه يعطيها الحبوب أحيانًا في المطبخ ويقول لها ألا تخبر أمي.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
وفجأة…
بدأت أشياء كثيرة تعود إلى رأسي دفعة واحدة.
الدوخة المستمرة.
النعاس الذي كان يهاجمني في منتصف النهار.
ارتجاف يدي أحيانًا دون سبب.
ثقل رأسي.
فقداني للتركيز.
نوبات البكاء المفاجئة.
والشعور المرعب بأنني أفقد السيطرة على نفسي يومًا بعد يوم.
وضعت يدي على فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة.
خصوصًا أن حالتي ساءت بشكل واضح خلال السنة الأخيرة…
بعد زواج فراس من رنا.
أكمل آدم بصوت مرتجف:
— وفي مرة سمعت رنا تقول لأبي إن أمي ستبدو مجنونة أكثر
شهقتُ دون وعي.
بينما التفتت الأنظار كلها نحو رنا.
لكنها تماسكت بسرعة وقالت بعصبية:
— هذا هراء! طفل في التاسعة لا يفهم ما يسمعه.
إلا أن آدم رفع رأسه فجأة وقال:
— أنا سمعتها بنفسي.
ساد الصمت مجددًا داخل القاعة.
حتى حمزة توقف عن البكاء وهو ينظر إلى أخيه بخوف.
أما أنا…
فكنت أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
لأشهر طويلة كنت أظن أنني أنهار بسبب الخيانة، والضغط، والانكسار…
لكن للمرة الأولى بدأ داخلي يهمس بسؤال مرعب:
ماذا لو أنني لم أكن أتدهور وحدي؟
ماذا لو أن أحدهم كان يدفعني نحو ذلك عمدًا؟
اعتدل القاضي في جلسته ونظر مباشرة نحو فراس.
ولأول مرة منذ بداية القضية…
اختفى ذلك الهدوء الواثق من وجهه تمامًا.
ثم قال آدم الجملة التي قلبت الجلسة بالكامل:
— وسمعت أبي يقول إن أمي لن تحصل على الحضانة إذا اقتنع الجميع بأنها مريضة فعلًا.
وفي تلك اللحظة…
أدركت أن ما كنت أظنه طلاقًا قاسيًا فقط…
كان في الحقيقة بداية حرب كاملة لتدميري.
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة الشرعية في بغداد بصورة ثقيلة حتى إنني أصبحت أسمع صوت أنفاسي المرتجفة بوضوح.
كان القاضي ينظر إلى آدم باهتمام شديد، بينما جلس فراس متيبسًا في مكانه، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه نزعت عنه ذلك القناع الهادئ الذي حافظ عليه طوال الجلسة.
أما رنا…
فكانت تحاول التماسك بصعوبة.
رأيت يدها تتحرك فوق حقيبتها بسرعة عصبية،
ولأول مرة منذ شهور طويلة…
شعرت بالخوف الحقيقي يتسلل إليهما.
قال القاضي بهدوء:
— هل أنت متأكد مما تقوله يا آدم؟
هزّ ابني رأسه ببطء.
ثم قال بصوت خافت:
— كنت أسمعهم يتحدثون كثيرًا عندما يظنون أننا نائمون.
بلعت ريقي بصعوبة.
وأكمل:
— وفي مرة سمعت أبي يقول إن أمي إذا بدت متعبة ومتوترة دائمًا فالمحكمة ستصدق أنه لا يجب أن نبقى معها.
ارتجفت يداي بعنف.
لم أعد أعرف هل ما أسمعه حقيقي أم أنني ما زلت داخل كابوس طويل لم أستيقظ منه بعد.
تحدث محامي فراس بسرعة:
— سيدي القاضي، لا يمكن الاعتماد على كلام طفل صغير في قضية حساسة كهذه.
لكن القاضي لم ينظر إليه.
بل ظل يراقب آدم للحظات طويلة قبل أن يقول:
— وهل رأيت شيئًا آخر يا بني؟
ساد التردد على وجه آدم.
ثم نظر نحوي.
ولم أستطع احتمال ذلك الخوف الموجود داخل عينيه الصغيرتين.
قال بصوت متقطع:
— كنت أرى أمينة تضع الحبوب لأمي حتى عندما تقول إنها لا تريد أخذ الدواء.
في تلك اللحظة…
شعرت بشيء بارد يمر داخل جسدي كله.
أمينة.
الخادمة التي عاشت معنا ثلاث سنوات.
الخادمة التي كانت تحضر لي الشاي كل ليلة تقريبًا.
الخادمة التي كانت تدخل غرفتي أحيانًا عندما أكون مرهقة وتقول إن فراس طلب منها أن تتأكد من أنني تناولت علاجي.
بدأت الصور تتدفق داخل رأسي بصورة مرعبة.
أكواب العصير.
طعم غريب لم أفهمه يومًا.
دوخة مفاجئة.
نعاس
أيام كاملة كنت أشعر فيها بأن رأسي ثقيل وكأن الضباب يملأه.
ثم نوبات البكاء.
العصبية.
فقدان التركيز.
ارتجاف أصابعي أحيانًا.
حتى إنني بدأت أخاف من نفسي.
كنت أصدق فعلًا أنني أفقد عقلي بالتدريج.
وضعت يدي فوق فمي وأنا أحدق أمامي بصدمة.
بينما قال آدم بخوف:
— وفي مرة سمعت رنا تقول إن أمي ستبدو مجنونة أكثر إذا استمرت على الدواء.
صرخت رنا فجأة:
— هذا كذب!
لكن صوتها خرج مهتزًا بصورة فضحت خوفها.
نظر القاضي نحوها ببرود وقال:
— التزمي الصمت من فضلك.
أما فراس…
فكان يضغط فكه بقوة حتى ظهرت عروقه بوضوح.
لأول مرة منذ سنوات…
رأيته عاجزًا عن السيطرة على الموقف.
لكن الصدمة الحقيقية بالنسبة لي لم تكن في كلمات آدم وحدها.
بل في تلك اللحظة التي بدأت فيها أراجع حياتي كلها معه.
فجأة…
بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
تذكرت نفسي قبل عشر سنوات.
حين تزوجت فراس.
لم يكن رجل الأعمال المعروف الذي يعرفه الناس الآن.
كان مجرد شاب يملك حلمًا صغيرًا ومكتبًا متواضعًا بالكاد يستطيع دفع إيجاره.
كنت أحبه بطريقة عمياء.
أؤمن به أكثر مما يؤمن هو بنفسه.
وعندما خسر مشروعه الأول بعد عامين من زواجنا…
كنت أنا من وقف بجانبه.
أنا من فتحت صندوق ذهبي.
أنا من خلعت أساوري وقلاداتي التي ورثت بعضها عن أمي.
وبعتها كلها حتى لا يغلق شركته.
أتذكر تلك الليلة جيدًا.
كان يجلس محطمًا في غرفة المعيشة، بينما
اقتربت منه يومها ووضعت صندوق الذهب أمامه.
نظر إليّ بصدمة.
وقال:
— زينب… هذا ذهبك.
فابتسمت له وقلت:
— وأنت مستقبلي.
بكى يومها.
أمسك يدي وقال إنه لن ينسى ما فعلته معه ما دام حيًا.
لكن يبدو أن بعض الرجال ينسون بسرعة عندما يصبح لديهم المال.