الراعي الصغير
فتح محفظته وسحب منها قنينة ماء صغيرة
شعرت بالقلق ماذا لو كانت تلك القنينة تحتوي على السم فتح القنينة واطال النظر فيها ثم الټفت الى إسم أمه المكتوب في فوق القپر
وبينما هي تفكر نظرت اليه لتجده قد بدأ الشرب فهرعت اليه وهي تصرخ باسمه
قام من مكانه مڤزوعا فسألها مستغربا
من أنت
فأخبرته أنها من طرف أمه جاءت لتنقذه
حينها ردد بفرح أمي ثم سقط كحمل وديع
اغمي عليه فنقلته بسرعة بسيارتها الى المستشفى وقاموا بغسل جهازه الهضمي وتم إنقاذه فقامت بعد ذلك برفع دعوى ضد أهله على انهم السبب فيما حصل له و كانت الرسائل بمثابة دليل قاطع على سوء المعاملة التي تعرض لها الفتى تم الحكم لصالحها
فربحت حق التكفل به حتى يصل سن الرشد
أصبحت إمرأة أخرى أحبت أيامها وكأنها ولدت من جديد صفحت عن زوجها و ركزت على إعطاء سيف كل ما يحتاجه من رعاية و حب و اهتمام فكان لها عوضا جميلا على فقدان ابنتها
وكانت له الأم التي كان يناديها منذ عامين
حين تعلمت المحامية أن العدل لا يطلب من المحاكم فقط بل من الضمائر الحية!
في هذه القصة اجتمعت الفواجع من جهتين
جهة أم ثكلى فقدت ابنتها في لحظة تهور
وجهة طفل فقد أمه ثم فقد الحياة نفسها في كنف أناس لا يعرفون الرحمة
لكن العبرة الكبرى أن الألم حين يعاد تدويره داخل الإنسان إما يصنع وحشا أو يولد إنسانا جديدا والسيدة عزيزة
1 لا أحد يعرف ما يخفيه وجه الآخر
حين التقت السيدة عزيزة براعي الغنم الصغير رأته بعين التوتر والاحتقان والحزن العالق في قلبها منذ عامين
رأته عقبة في طريقها لا أكثر تماما كما يرى الناس في حياتنا بعضهم بعضا
عامل مزعج
طفل شوارع
متسول على الرصيف
لكن في الحقيقة كل وجه نراه في الطريق يخفي خلفه قصة قد تفوق ألمنا بعشرات المرات
الفتى لم يكن مجرد راع كان صرخة ألم مدفونة تحت لسانه
والناس لا تسمع صرخات الصامتين بل تحاسبهم على سلوكهم فقط
2 الخذلان لا يأتي دائما من الغرباء أحيانا من أهل البيت
أكبر من وجع اليتم أن تعيش بين أناس لا يرونك لا يسمعونك لا يهتمون إن جعت إن مرضت إن اختنقت
سيف لم يكن يطلب رفاهية كان يطلب دفء كلمة نظرة خبز مبلول بالحب
لكنه بدلا من ذلك كان يعاقب يوميا لأنه ضعيف يتيم حمولة زايدة
وهكذا في بيوت كثيرة بالعالم العربي يتحول الطفل إلى عبء بدل أن يكون نعمة وتمارس عليه كل أشكال العنف العاطفي باسم التربية أو الانتقام أو حتى العادة
3 الطفل الذي كان يكتب لأمه الميتة كان يصرخ للعالم بأسره
ما كتبه سيف لم يكن رسائل لأمه فقط بل كان اعترافا مفتوحا للحياة للعالم للناس لضمائرنا
حين يكتب طفل عن الجوع البرد العزلة والحرمان
فهو
الرسائل لم تكن دليلا قانونيا فقط كانت شهادة حية أن الظلم حين لا يرد يتحول إلى انتحار
وسيف لم يكن يريد الموت كان يريد أن يقول للعالم
أنا تعبت أنا اختنقت هل من أحد يسمع
4 السيدة التي دفنت ابنتها ولدت من جديد بولد لم تلده
أعظم ما حدث في القصة أن قلبا ميتا عاد ينبض لا بالحب فقط بل بالفعل
السيدة عزيزة كانت تسير في اتجاه الموت البطيء كل أسبوع تذهب للمقبرة ليس فقط لزيارة قبر ابنتها بل لدفن مشاعرها من جديد
لكن الله اختار أن يعيد إحياءها على يد طفل كان ينادي من حفرة لا من منصة لا من شاشة بل من تراب
هذا الطفل أحيا فيها كل ما قتلته الصدمة
الرحمة
القوة
المعنى
والهدف
وهنا نتعلم
أحيانا يرسل الله لنا أبناء نعتني بهم ليس لأننا أنجبناهم بل لأننا خلقنا لنكمل رسالتهم
5 العدل لا يأتي فقط في القاعات بل في ضمير الإنسان
السيدة عزيزة كانت محامية بارعة خبيرة بالقانون
لكنها لم تفكر يوما أن تكون وكيلة الدفاع عن طفل مشرد حتى جاءت هذه اللحظة
لم يكن يكفيها أن تنقذه من السم بل سخرت علمها وعدالتها لتعيد له حقه الكامل
وربما كانت هذه هي العدالة الحقيقية
أن نستخدم ما نملك من نفوذ لا لندافع عن أنفسنا بل عن الذين لا يملكون حتى صوتا
6
حين قررت السيدة عزيزة أن تصفح عن زوجها بعد أن كانت دفعت به إلى السجن لم يكن ذلك استسلاما
كان قرارا عميقا من إنسانة أدركت أن الوجع ما ينتهي بالانتقام بل بالشفاء
لقد سامحته لا
لأنه لم يخطئ بل لأنها فهمت أن الحياة قصيرة جدا لنضيعها في جلد أنفسنا والآخرين
وسيف كان جزءا من علاجها
كان الجسر الذي عبرت به من القبر إلى الحياة
7 كل إنسان فينا يستطيع أن ينقذ حياة شخص آخر بكلمة بحضن باهتمام
لو لم تفتح الورقة لو لم تتجرأ لو لم تعد في الغد لكان سيف الآن تحت التراب ورسائله مطوية إلى الأبد
كم سيف موجود في الواقع
كم طفل يكتب رسائل بصمت
كم إنسان يحتاج فقط من يلاحظ أن عيونه ذابلة أو أن ابتسامته صارت غريبة
العبرة هنا
إذا شعرت أن أحدهم ينطفئ لا تنتظر يصرح لك
اقترب اسأله امنحه الأمان
لأن الحياة القاسية جعلت الناس يلبسون أقنعة الصبر لكن قلوبهم مليئة بالصراخ
8 النهاية لم تكن سعيدة لكنها كانت عادلة
لم تنته القصة بعودة الابنة ولا بمحاكمة القاتل ولا حتى بغنى مادي
انتهت ب
أم حزينة استعادت قدرتها على الحب
وطفل معذب وجد حضنا يحميه
وهذا أحيانا أعظم نهاية ممكنة
العبرة في جملة واحدة
لا تستهينوا بأي موقف بأي وجه عابر بأي ورقة مطوية فقد تكون هي الباب