ضحكو عليها لما قالت هترسم

لمحة نيوز


دي. إيه رأيك؟
ريم بصت للشيك، وبصت لجردل المية، وبعدين بصت لأيديها اللي لسه عليها أثر الفحم. هزت راسها بالرفض.
الشيخ فهد استغرب رافضة؟
ابتسمت ريم وقالت أنا مش محتاجة الفلوس دي دلوقتي يا فندم. أنا محتاجة فرصة أثبت فيها إن قصتي تستحق تتسمع، مش بس تتشاف. أنا هقبل العرض، بس بشرط.. إني أرجع الفندق ده بعد سنة، مش ك عاملة نظافة، لكن ك فنانة بتقدم معرضها الشخصي في القاعة دي، وبدعوة خاصة لكل اللي ضحكوا النهاردة.
الشيخ فهد بصلها بإعجاب شديد، ووقع على الكشكول بتاعه وقال مقبول. هانتظر المعرض ده بنفسي.
مرت السنة، وسافرت ريم، وتدربت، ورسمت، وكبر اسمها. وفي الميعاد المحدد، رجعت القاهرة، وفتحت معرضها الخاص في نفس الفندق.
كانت واقفة في وسط القاعة، لابسة فستان بسيط، بتستقبل الناس. والشيخ فهد وسيف كانوا في الصف الأول. وبينما كان الكل بيبص للوحات، لقت ست كبيرة ماشية بخطوات بطيئة، وبتعيط. كانت أم سامية، الست اللي كانت بتسيب لها الأكل في التلاجة.
جريت ريم

عليها ، وسمعت أم سامية بتقول لها كنت عارفة.. كنت عارفة إن اللي بيشوف الروح، ربنا هيخلي الدنيا كلها تشوفه.
ريم بصت للوحة كانت معلقاها في صدر القاعة، كانت صورة عاملة نظافة واقفة في اللوبي، بتبص من الشباك للشمس، والرسمة كان مكتوب تحتها بخط صغير الحقيقة لا تظهر إلا لمن أغمض عينيه عن البريق، وفتح قلبه للنور.

في الليلة دي، كانت قاعة الفندق بتضج بأرقى الشخصيات في القاهرة، لكن الأنظار كلها كانت متجهة نحو زاوية واحدة في القاعة، زاوية فيها لوحة عاملة النظافة.
مدير الفندق، اللي كان من سنة واقف يهدد ريم بالطرد، كان بيحاول بكل قوته يوصل للشيخ فهد أو لسيف، كان بيتحرك بتوتر، بيعدل كرافتته كل دقيقة، وعرقه كان باين على جبينه. هو دلوقتي فاهم كويس إن الست اللي كان بيعتبرها شخص لا يذكر بقت هي اللي بتتحكم في بريستيج الفندق بتاعه.
ريم، بذكائها المعهود، لاحظت وجوده. كانت عارفة إنه بيحاول يعتذر بأسلوبه الملتوي. قربت منه بهدوء، وسط ذهول الناس اللي كانوا فاكرين
إنها هتطرده أو تحرجه.
بصت له وقالت بابتسامة هادية فاكر يا أستاذ كمال، لما قلت لي إن الرسم ملوش مكان هنا؟
بلع ريقه وقال بتلعثم يا أستاذة ريم.. الظروف، ضغط الشغل، أنا مكنتش أقصد..
قاطعته ريم وهي بتشاور على اللوحة الكبيرة أنا مش زعلانة. بالعكس، أنا بشكرك. لأن قسوتك وتجاهلك هما اللي خلوني ألاحظ التفاصيل اللي غيري مبيشوفهاش. أنت كنت بتشوف الزي، وأنا كنت بشوف الشخص. وده الفرق بين اللي بيشوف بعينه، واللي بيشوف بقلبه.
سابته مذهول، ومسكت الميكروفون عشان تلقي كلمتها. كل الحضور سكتوا.
قالت في ناس سألتني ليه اخترت فندق الماسة الملكية بالذات عشان معرضي الأول؟ وليه لوحة عاملة النظافة هي اللي في صدر القاعة؟ الإجابة ببساطة هي إننا بنعيش في عالم مهووس باللمعان، بننسى إن اللي بيشيل القذارة من حوالينا هو اللي بيخلينا نلمع. أنا هنا مش بس عشان أعرض لوحات، أنا هنا عشان أقول لكل إنسان بيحس إنه غير مرئي في وظيفته أو حياته.. صوتك في قلمك، في فرشاتك، في شغلك، وفي
ثقتك إن الحقيقة دايمًا بتفرض نفسها مهما حاولوا يداروها بالظلام.
بعد كلمتها، حصلت مفاجأة تانية. الشيخ فهد قام ووقف، وصفق بحرارة، وراه كل القاعة وقفت.
لكن اللحظة اللي فعلاً هزت كيان ريم، كانت لما شافت باب القاعة بيفتح، ودخل أبوها وأمها. كانوا جايين من البلد، لابسين هدومهم البسيطة اللي مفيهاش أي تكلف. لما شافوا القاعة الفخمة والناس اللي بتشاور على بنتهم بكل فخر، الأب عيونه دمعت.
جريت عليهم، رمت كل بروتوكولات الحفلة ورا ضهرها، وحضنت أبوها وقالت شوفت يا بابا؟ لسه برسم.
رد الأب وهو بيمسح دموعه أنتي مش بس رسمتي يا بنتي.. أنتي رسمتي لنا طريق جديد نمشي فيه.
في الليلة دي، ريم ما باعتش لوحات بس، ريم باعت رسالة للدنيا كلها.
أما مدير الفندق؟ فبعد الحفلة بأسبوع، قدم استقالته. مش لأنه طُرِد، لكن لأنه حس إنه مش قادر يبص في عين أي عامل نظافة بعد كده بنفس الطريقة اللي كان بيبص بيها لريم.
ريم عادل، بنت ال 24 سنة، ما بقتش مجرد رسامة مشهورة، بقت رمز ل الفن
اللي بيغير البشر.
تمت

 

تم نسخ الرابط