كان يظنها بخيلة وتحرمه من أبسط حقوقه... لكن الحقيقة التي اكتشفها في ذكرى زواجه غيّرت حياته للأبد!

لمحة نيوز

لا يكفي أبدًا.
لكن زهراء انتبهت.
زهراء وقفت في الطوابير.
سألت.
طبعت كشوفات.
صححت أخطاء في الأوراق.
ذهبت إلى الدوائر.
راجعت المصرف.
جمعت المستمسكات.
تحملت كلام الموظفين.
تحملت المطر.
تحملت غضبه.
وفعلت كل ذلك بينما كان هو يسميها بخيلة.
لماذا لم تخبريني؟
سألها حيدر بصوت مكسور.
جلست زهراء أمامه.
في البداية أردتها مفاجأة. ثم خفت.
خفتِ من ماذا؟
خفت ألا تصدق. خفت أن تقول إن الطريق طويل. خفت أن يأتي يوم ونتعب فنصرف ما جمعناه. خفت أن يطلب أخوك منك مالًا مرة أخرى ولا تستطيع أن تقول لا. خفت أن يجعلوك أصدقاؤك تشعر أنك أقل رجولة لأنك تحافظ على حلم.
خفض حيدر رأسه.
آلمه ذلك لأنه كان صحيحًا.
لقد أقرض المال مرات كثيرة.
مالًا لم يعد.
وصرف على جلسات عندما كان يشعر بأنه صغير.
واشترى أشياء لا يحتاجها فقط ليثبت أنه قادر.
لم تقل زهراء ذلك بلوم.
قالته كما يعترف الإنسان بجرح قديم.
ثم أضافت
لكنني أخطأت أيضًا. أخذت البطاقة، وأخذت منك القرار، وتركتك تشعر كأنك طفل. كنت أريد أن أنقذ مستقبلنا، لكنني جعلتك تشعر أنك خارج هذا المستقبل.
غطى حيدر وجهه بيديه.
ثم بكى.
لم يبك قليلًا.
ولم يحاول أن يبدو قويًا.
بكى كما لم يبكِ منذ يوم دفن والده.
بكى على السخرية.
وعلى الغضب.
وعلى الليالي التي ظن فيها أن زوجته صارت عدوه.
وعلى الخمسة آلاف دينار.
وعلى الحذاء القديم.
وعلى تلك المرأة التي كانت تأكل الأرز والعدس، وهي تجمع المال من أجل نافذة.

نهضت زهراء وركعت أمامه.
حيدر...
أمسك يديها.
كانتا خشنتين.
أكثر خشونة مما كان يتذكر.
سامحيني.
قالها بصوت مهزوز.
سامحيني لأنني لم أرَ.
نحن الاثنان نحتاج إلى السماح.
لا. أنتِ كنتِ تبنين بيتًا. وأنا كنت أبني غضبًا.
بكت زهراء أيضًا.
في الخارج بدأ المطر يخف.
وفي الداخل كان البيت تفوح منه رائحة الطلاء والرطوبة والأمل.
بعدها فتحت زهراء الكيس البلاستيكي.
أخرجت سندويشة كبيرة، وعلبتي عصير، وقطعة كيك صغيرة.
لم نستطع الذهاب إلى مطعم.
قالت وهي تمسح دموعها.
لكن استطعنا شراء هذا.
ضحك حيدر وهو يبكي.
هذا أجمل من أي مطعم.
أكلا وهما جالسان على الكرسيين البلاستيكيين.
كانت السندويشة باردة.
والكيك تحرك داخل العلبة في الطريق.
والعصير ليس باردًا.
لكن حيدر شعر أنها أفخم وجبة في حياته.
ثم أخذته زهراء ليتجول في البيت.
كان المطبخ ضيقًا، لكنه يملك النافذة الكبيرة التي حلمت بها.
وكان الفناء صغيرًا من الإسمنت، وفيه حوض غسيل ومكان لنشر الملابس.
وفي زاوية المدخل، كانت شجرة الليمون مجرد عود نحيف بثلاث أوراق.
زرعتها أمس.
قالت زهراء.
كان شكل الباب حزينًا من دون شيء.
انحنى حيدر أمام الشجرة.
ولمسها بحذر.
أنا وعدتك بشجرة ليمون.
وأنا جئت أطالبك بها بعد عشر سنوات.
صعدا الدرج.
كان هناك غرفتان.
واحدة صغيرة.
والثانية أوسع قليلًا.
في الغرفة الكبيرة، وضعت زهراء فراشًا هوائيًا وبطانية نظيفة.
وعلى الأرض كان هناك حذاء جديد.
أسود.
مناسب للعمل.

ليس غاليًا، لكنه جيد.
وكانت هناك حقيبة زرقاء بسحاب قوي.
بقي حيدر ينظر إليهما.
وما هذا؟
هدية ذكرى الزواج.
انكسر مرة أخرى.
زهراء، أنا لم أشترِ لك شيئًا.
اقتربت من النافذة.
وفتحتها.
دخل هواء بارد.
بلى، اشتريت لي. فقط لم تكن تعرف بعد.
اقترب من خلفها واحتضنها.
ليس كمالك.
ولا كرجل مكسور يبحث عن غفران سريع.
احتضنها كإنسان فهم أخيرًا أن الحب لا يأتي دائمًا ملفوفًا بالورد.
أحيانًا يأتي على شكل أقساط مدفوعة في وقتها.
ودفاتر مليئة بالأرقام.
وعدس مكرر.
وامرأة تتحمل أن تُفهم خطأ لأنها تؤمن بمستقبل لا يراه غيرها.
في تلك الليلة لم يعودا إلى الغرفة فوق السطح.
ناما على الفراش الهوائي، وتغطيا ببطانية خفيفة، وهما يسمعان نباح الكلاب من بعيد وقطرات ماء تسقط في فناء أحد الجيران.
استيقظ حيدر مرات كثيرة.
ليس من البرد.
بل من الخوف أن يكون كل هذا حلمًا.
كلما فتح عينيه، رأى الجدار الأبيض.
والنافذة.
والحذاء الجديد.
ويد زهراء فوق صدره.
عند الفجر خرج إلى الفناء.
كان لون السماء رماديًا فاتحًا.
وكان صوت بائع الفطور البعيد يصل من آخر الشارع.
وهناك من يكنس الرصيف.
ومركبة تمر وترفع ماء المطر من الحفر.
انحنى حيدر أمام شجرة الليمون.
كانت التربة مبللة.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يفكر بما ينقصه.
فكر بما أصبح يملكه.
في يوم الاثنين وصل إلى المعمل بالحذاء الجديد.
رآه عباس فورًا.
ها حيدر، شنو السالفة؟ أخيرًا زوجتك أطلقت البطاقة؟
ضحك الآخرون.

وضع حيدر حقيبته في الخزانة.
في السابق، كانت هذه السخرية تحرق وجهه.
أما ذلك اليوم فلا.
لا.
قال بهدوء.
أطلقت لي بيتًا.
صمت الجميع.
كيف يعني بيتًا؟
ابتسم حيدر.
زوجتي لم تكن بخيلة. كانت أذكى منا كلنا.
لم يضحك أحد.
لأنه قالها بفخر.
وبرأس مرفوع.
في ذلك الأسبوع عاد مع زهراء إلى الغرفة القديمة فوق السطح.
جمعا الأشياء القليلة التي يملكانها.
ملابس.
صحون.
الخلاط القديم.
الصاج.
ثلاث بطانيات.
صورة قديمة معلقة على الحائط.
والدفتر.
رآهما صاحب البيت وهما ينزلان الصناديق بنظرة غريبة.
يعني ستغادرون فعلًا؟
هزت زهراء رأسها.
نعم، هذه المرة سنغادر فعلًا.
وإلى أين؟
حمل حيدر الطاولة القابلة للطي.
إلى بيتنا.
لم يقل صاحب البيت مبروك.
لكنه أعطى زهراء كيسًا فيه نبتتان صغيرتان.
حتى لا يبقى المدخل فارغًا.
تمتم بذلك.
فاحتضنته زهراء بامتنان.
كانت النقلة بسيارة حمل صغيرة مستعارة.
لم تكن هناك صالة جديدة.
ولا ثلاجة حديثة.
ولا تلفاز كبير.
لكن كان هناك جيران ساعدوا في تنزيل الأغراض.
وكان هناك رز ودجاج بسيط للجميع.
وكانت هناك ضحكات.
وكانت هناك ظهيرة كاملة قضياها في ترتيب الصحون داخل مطبخ النافذة الكبيرة.
في أول يوم أحد فارغ، أراد حيدر أن يفي بوعد آخر.
لنذهب إلى متنزه الزوراء.
نظرت إليه زهراء بدهشة.
وبأي مال؟
أخرج ورقتين نقديتين مطويتين.
بمالي الموافق عليه من المديرة العامة لهذا البيت.
ضحكت من قلبها.
ذهبا بالمواصلات العامة، ومعهما
سندويشات ملفوفة بورق ألمنيوم وشاي في قنينة صغيرة.
كان متنزه الزوراء من الأماكن التي تقصدها العائلات في بغداد للمشي والجلوس بين الأشجار، ومشاهدة الأطفال وهم يلعبون، والابتعاد
تم نسخ الرابط