كان يظنها بخيلة وتحرمه من أبسط حقوقه... لكن الحقيقة التي اكتشفها في ذكرى زواجه غيّرت حياته للأبد!
لكن عشر سنوات مرّت بالفعل.
عشر سنوات من الحافلات المزدحمة.
عشر سنوات من وجبات ملفوفة بورق بسيط.
عشر سنوات من وعود مؤجلة، لأن هناك دائمًا شيئًا أكثر إلحاحًا من الحلم.
وصل حيدر إلى البيت قريبًا من الساعة الثامنة مساءً.
كان المطر ما زال ينزل فوق صفائح السقف في الساحة المشتركة، ويصدر ذلك الصوت الحزين الذي تعرفه البيوت الفقيرة جيدًا عندما تمطر.
صعد الدرج حتى وصل إلى الغرفة الصغيرة فوق السطح، وحقيبته مبللة، وقدماه تؤلمانه من التعب.
قبل أن يفتح الباب، سمع أصواتًا في الداخل.
ظن أن صاحب البيت جاء يطالب بالإيجار.
تهيأ لإحراج جديد.
لكن عندما دخل، وجد زهراء واقفة في وسط الغرفة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون عنابي، وشعرها مرفوع، وعيناها تلمعان.
على الطاولة لم تكن هناك علبة سردين.
كانت هناك قدر مغطى، وطبقان جميلان لا يتذكر أنه رآهما من قبل، وكيس من الكعك البسيط.
وكان هناك ظرف أصفر.
قطّب حيدر حاجبيه.
ما هذا؟
لم تبتسم زهراء.
كانت متوترة.
متوترة جدًا.
ذكرى زواج سعيدة يا حيدر.
أطلق ضحكة مرة.
الآن صار عندنا مال نحتفل؟
انطفأ وجه زهراء قليلًا.
لا تبدأ.
لا، قولي لي. اليوم كفى المال؟ أم ستعطينني خمسة آلاف دينار حتى نحتفل بعشر سنوات من التعب؟
أغمضت زهراء عينيها لحظة.
وعندما فتحتهما، كانت فيهما دموع.
لكن كان فيهما ثبات أيضًا.
أريدك أن تذهب معي إلى مكان.
أنا تعبان.
أعرف.
جئت مبللًا.
أعرف.
لا أملك مالًا.
لهذا
نظر إليها حيدر بريبة.
ماذا فعلتِ؟
أخذت زهراء الظرف الأصفر ووضعته في يده.
لا تفتحه الآن.
زهراء...
مرة واحدة يا حيدر. مرة واحدة فقط. ثق بي حتى لو كنت غاضبًا.
أراد أن يقول لها إنه لم يعد يستطيع.
إنه تعب.
إن ثقته استُهلكت خلال سنوات من الخبز المحسوب والجيوب الفارغة.
لكن كان في صوتها شيء مختلف.
شيء ليس سيطرة.
كان خوفًا.
وكان حبًا.
خرجا تحت المطر.
كانت زهراء تحمل كيسًا بلاستيكيًا وتضمه إلى صدرها.
لم يسأل حيدر ماذا بداخله.
ركبا سيارة أجرة كانت قد طلبتها من هاتفها القديم.
وهذا أزعجه أكثر.
حتى سيارة الأجرة صار لها مال؟
اليوم نعم.
نظر من النافذة، وابتلع كلماته.
مرّت السيارة في شوارع مليئة بالماء، ومحال مغلقة، وكلاب تبحث عن مأوى، وأضواء صفراء تنعكس على الإسفلت.
كانت بغداد تتراجع خلفهما بضجيجها وأزقتها ومعاملها وشوارعها المتعبة.
فكر حيدر في المعمل.
في الضجيج.
في عباس والشباب وهم يجلسون في المقهى من دونه.
في السخرية.
زوجتك لا تترك لك حتى ثمن شاي.
شد قبضتيه فوق ركبتيه.
كانت زهراء تنظر إليه بطرف عينها.
ولا تقول شيئًا.
اتجهت السيارة نحو منطقة أبعد قليلًا.
ثم دخلت في شوارع أكثر هدوءًا، فيها بيوت صغيرة، وأسوار نصف مطلية، ومحال بسيطة، ومخابز زجاجها مغطى بالبخار.
بدأ حيدر يقلق.
إلى أين نذهب؟
اقتربنا.
زهراء، أنا لست مستعدًا للألعاب.
ليست لعبة.
توقفت السيارة أمام مجموعة بيوت بسيطة.
كلها
طابقان.
أبواب حديدية.
نوافذ صغيرة.
بعضها أمامه أقفاص طيور.
وبعضها أمامه أصص نباتات.
وكان هناك بيت أمامه شجرة ليمون صغيرة مزروعة حديثًا.
دفعت زهراء أجرة السيارة.
أراد حيدر أن يعترض، لكنها مشت نحو ذلك البيت.
بيت شجرة الليمون.
أخرجت مفاتيح.
شعر حيدر أن شيئًا تحرك داخل صدره.
بيت من هذا؟
لم تجب زهراء.
فتحت الباب الحديدي.
صدر صرير خفيف.
خرجت رائحة الطلاء الجديد بقوة.
دخلا.
كان البيت شبه فارغ.
في الصالة كرسيان بلاستيكيان، وطاولة قابلة للطي، ومصحف موضوع على رف صغير، وبجانبه مسبحة قديمة.
كان البلاط بسيطًا، لكنه جديد.
والجدران بيضاء.
أما المطبخ فكان صغيرًا.
لكن فيه نافذة.
نافذة كبيرة.
بقي حيدر واقفًا، مبتلًا، وحقيبته معلقة على كتفه.
وضعت زهراء الكيس على الطاولة.
ثم أشارت إلى الظرف.
الآن افتحه.
أطاعها ويداه ترتجفان.
كان في داخله أوراق.
كثيرة.
نسخ.
وصولات.
كشوفات حساب.
موافقة أولية.
عقد.
وورقة عليها ختم جهة تمويل سكني ومصرف عراقي.
لم يفهم حيدر.
أو لم يرد أن يفهم.
تكلمت زهراء ببطء.
هذا بيتنا.
رفع عينيه إليها.
ماذا؟
البيت. صار بيتنا يا حيدر.
توقف صوت العالم حوله.
لم يسمع إلا المطر وهو يضرب سقف الفناء الخلفي.
لا...
تمتم.
لا يمكن.
ابتسمت زهراء وفمها يرتجف.
ليس كبيرًا. وليس في منطقة راقية. وهناك أشياء كثيرة تحتاج إلى تصليح. الحمام يحتاج إلى سيراميك، والباب الخلفي لا يغلق جيدًا، ولا
نظر حيدر إلى الأوراق من جديد.
اسمه.
واسمها.
القرض.
الأقساط.
المدفوعات.
اقتربت زهراء منه.
طوال السنوات الماضية كنت أجمع كل ما أستطيع. ليس من راتبك فقط. من عملي أيضًا. كنت أخيط ملابس مدرسية، وأبيع حلوى بسيطة لبنات الجيران، وأغسل ملابس لبعض النساء، وأجهز كليجة ومعجنات في المواسم. كنت أجمع الدنانير يا حيدر. حتى الدنانير الصغيرة.
لم يستطع الكلام.
فتحت زهراء الدفتر الذي كانت تضعه دائمًا على طاولة المطبخ.
الدفتر نفسه الذي كان يكرهه.
الدفتر نفسه الذي كان يراه رمزًا لفقره.
كانت الأرقام هناك.
كل شهر.
كل وصل.
كل مبلغ موضوع جانبًا.
بيت.
دائرة التسجيل العقاري.
رسوم.
طلاء.
مطبخ.
نافذة.
شجرة الليمون.
مرر حيدر أصابعه فوق الصفحة.
كانت هناك بقع.
ربما من الشاي.
وربما من الدموع.
أنا ظننت...
قالها، لكنه لم يستطع إكمال الجملة.
هزت زهراء رأسها.
أعرف ماذا ظننت.
ظننت أنك تهينينني.
أعرف.
ظننت أنك لا تثقين بي.
أعرف أيضًا.
ظننت أنك تخفين المال لأهلك.
أطلقت زهراء ضحكة صغيرة موجعة.
أهلي أيضًا ظنوا أنني تغيرت لأنني لم أزرهم في الناصرية منذ سنوات. كنت أقول لهم إنني لا أستطيع صرف المال. وكان هذا صحيحًا.
جلس حيدر على أحد الكرسيين البلاستيكيين.
لم تعد قدماه تحملانه.
كان قد سمع كثيرًا في المعمل عن قروض السكن والمصارف والدوائر التي تساعد بعض الموظفين والعمال على شراء بيت بالتقسيط.
زملاء حصلوا على بيوت.
آخرون اشتكوا من الأقساط.
وبعضهم ترك الأمر لأنه قال إن المعاملات طويلة ومتعبة.
أما هو فلم ينتبه يومًا.
كان يقول إن هذه أمور معقدة.
وكان يقول إن راتبه