بعد 5 سنوات من رعاية زوجها المقعد... اكتشفت الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب!
عاد الطرق على الباب من جديد.
ثلاث طرقات.
قوية.
حادة.
وحاسمة.
وكان مصطفى لا يزال يصرخ عبر مكبر الصوت في الهاتف.
أبي! ماذا يحدث هناك؟ رد عليّ!
نظرت إليّ المحامية من عند المدخل.
كانت تحمل حقيبة سوداء، وعلى وجهها تلك الملامح الهادئة نفسها.
ملامح شخص يعرف نهاية القصة قبل أن تبدأ.
قالت بهدوء
مساء الخير.
بدا سامر وكأنه شاخ عشر سنوات خلال عشر ثوانٍ فقط.
وقال بصوت متعب
سارة... لم يكن من الضروري أن يصل الأمر إلى هذا.
ارتسمت على شفتي ابتسامة صغيرة.
وقلت
لكن خمس سنوات كانت ضرورية، أليس كذلك؟
لم يجب.
تقدمت المحامية إلى داخل الصالة.
ووضعت ملفًا آخر فوق الطاولة.
كان أكثر سماكة.
أكثر سماكة بكثير.
توقف مصطفى عن الصراخ.
ويبدو أنه سمع صوت المحامية.
فسأل
من الموجود هناك؟
أجابته المحامية ببرود
مشكلتك القادمة.
ثم أغلقت المكالمة.
ولأول مرة رأيت الخوف في عيني سامر.
خوفًا حقيقيًا.
ليس خوف المرض.
ولا خوف الموت.
بل خوف فقدان السيطرة.
على مدى ساعة كاملة راجعنا المستندات.
كانت المحامية تتحدث بدقة مذهلة.
وقالت
هنا لدينا سجلات لتحويلات مالية أُجريت دون علم الزوجة.
ثم قلبت صفحة.
وهنا إثباتات للمصاريف المنزلية التي تكفلت بها سارة وحدها.
ثم صفحة أخرى.
وهنا تقييم مهني كامل لأعمال الرعاية التي قدمتها طوال خمس سنوات.
اتسعت عينا سامر.
تقييم؟
نعم.
ماذا يعني ذلك؟
ابتسمت المحامية.
يعني أن جهة مختصة قامت بحساب تكلفة الممرضين
اختفى اللون من وجهه.
وقال
هذا كلام غير معقول.
ليس تمامًا.
ثم أخبرته بالمبلغ.
كنت أعرفه مسبقًا.
لكن رؤية رد فعله كانت مختلفة تمامًا.
أطلق سامر ضحكة متوترة.
هذا مستحيل.
بل حقيقي.
أنا لم أجبرها على مساعدتي.
وهنا تدخلت لأول مرة.
وقلت
وأنا أيضًا لم يجبرني أحد على البقاء.
نظر إليّ.
ولثانية واحدة رأيت شيئًا يشبه الندم.
لكنه اختفى بسرعة.
وقال
سارة... أنتِ تبالغين.
في تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا.
سامر لن يعتذر أبدًا.
أبدًا.
لأن أشخاصًا مثله لا يعتقدون أنهم ارتكبوا خطأ.
هم فقط يعتقدون أن الآخرين لم يعودوا قادرين على احتمالهم.
الأيام التالية كانت حربًا صامتة.
ليست حرب صراخ.
ولا شتائم.
بل ما هو أسوأ.
حرب أوراق.
وتواقيع.
ومحامين.
وحسابات مجمدة.
وإشعارات قانونية.
ثم حدث أمر غريب.
بدأ الناس يتحدثون.
الجيران.
والأقارب.
والمعارف.
وكل أولئك الذين أمضوا سنوات يصفونني بالملاك.
صار لكل واحد منهم رأيه الخاص.
مسكين سامر.
كيف تتركينه في هذه الظروف؟
الرجل معاق.
يكفي ما عاناه.
استمعت إلى كل تعليق.
كل تعليق.
ولأول مرة لم أدافع عن نفسي.
لأنني تعلمت شيئًا.
الناس يعشقون إصدار الأحكام على قصة لم يقرأوا منها سوى صفحة واحدة.
في إحدى الأمسيات تلقيت زيارة لم أتوقعها.
حماتي.
أم سامر.
جاءت دون موعد مسبق.
وكانت تحمل قالب
وكأننا ما زلنا نعيش في ذلك العالم الذي تُحل فيه المشاكل بالحلوى.
أدخلتها إلى البيت.
وجلست أمامي.
نظرت حولها.
ثم تنهدت.
وقالت
لم أتخيل يومًا أننا سنصل إلى هنا.
وأنا كذلك.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت
سامر ليس بخير.
ارتشفت رشفة من القهوة.
وقلت
وماذا بعد؟
رمشت باستغراب.
ولم تكن تتوقع تلك الإجابة.
إنه زوجك.
حتى الآن فقط.
إنه يحتاجك.
ضحكت بخفة.
ضحكة هادئة.
غير مصدقة.
ثم قلت
هل تعلمين ما المثير للدهشة؟
عقدت حاجبيها.
ماذا؟
طوال خمس سنوات لم يسألني أحد إن كنت أنا بحاجة إلى شيء.
خفضت بصرها.
ولم ترد.
لأنها كانت تعرف أنني على حق.
في تلك الليلة وجدت سامر يبكي.
يبكي فعلًا.
كان وحده في الصالة.
التلفاز مطفأ.
والأنوار مطفأة.
ولا يضيء المكان سوى مصباح صغير قرب الأريكة.
توقفت في مكاني.
قبل خمس سنوات كنت سأركض نحوه.
وأحضنه.
وأسأله ماذا حدث.
وأمسح دموعه.
أما الآن...
فاكتفيت بالنظر.
رفع رأسه.
وقال
سارة.
نعم؟
كان صوته مكسورًا.
هل تكرهينني إلى هذه الدرجة؟
فاجأني السؤال.
فكرت لثوانٍ طويلة.
ثم قلت
لا.
بدت عليه الراحة.
إلى أن أكملت كلامي.
لم أعد أكرهك.
إذًا...
أنا فقط لم أعد أحبك.
كانت تلك الجملة أقسى من أي إهانة.
ورأيت أثرها عليه بوضوح.
لأن الكراهية ما زالت تربط الناس ببعضهم.
أما اللامبالاة فلا تفعل.
وأنا كنت قد ابتعدت.
بعيدًا جدًا.
بعد شهر جاء موعد أول جلسة.
حضر مصطفى برفقة محامٍ.
دخل المحكمة
الغطرسة التي ورثها عن أبيه.
ولم يكلف نفسه حتى عناء السلام.
جلس.
وعقد ذراعيه.
وابتسم.
وكأنه متأكد من الفوز.
استمرت الجلسة ثلاث ساعات.
وعندما انتهت خرج أقل ابتسامًا بكثير.
لأنه اكتشف شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا.
البيت لم يكن ملكًا خالصًا لسامر.
والمركبات كذلك.
كما أن عدة حسابات كان يظن أنه سيرثها كانت مرتبطة بديون ومراجعات مالية معقدة.
وعندما خرجنا من المبنى اقترب مني مصطفى.
وكان غاضبًا جدًا.
وقال
ماذا فعلتِ بنا؟
نظرت إليه.
وقلت
لا شيء.
كاذبة!
لا.
عدلت حقيبتي على كتفي.
ثم قلت
أنا فقط توقفت عن فعل ما كنتم تتوقعونه مني.
اشتعلت عيناه غضبًا.
وقال
أبي أعطاك كل شيء.
فضحكت.
ولأول مرة منذ زمن طويل كانت ضحكة حقيقية.
ثم اقتربت قليلًا وقلت
لا يا مصطفى.
أنا من أعطاه كل شيء.
ثم غادرت.
وتركته واقفًا في مكانه.
من دون أي جواب.
مرت الأسابيع.
وتقدمت الدعوى.
وتفاقمت مشاكل سامر المالية.
وبدأ شيء غريب يحدث.
بدأت أعيش من جديد.
في البداية كانت أمورًا بسيطة.
نزهة قصيرة.
فنجان قهوة.
فيلم أشاهده وحدي.
ثماني ساعات من النوم المتواصل.
ثم أشياء أكبر.
عدت أضع العطر.
واشتريت ملابس جديدة.
وقصصت شعري.
وعدت إلى النادي الرياضي.
وفي كل مرة أنظر فيها إلى المرآة كنت أكتشف امرأة اختفت لسنوات.
امرأة ما زالت موجودة.
تحت التعب.
وتحت المسؤوليات.
وتحت كل ذلك التضحية.
بعد ثلاثة أشهر تلقيت اتصالًا
ظننت أنها حالة طارئة.
لكنني كنت مخطئة.
قالت الموظفة
السيدة سارة؟
نعم.
نحتاج إلى التحدث بشأن السيد سامر.
تسارع نبض قلبي.
ماذا حدث؟
ساد صمت قصير.
ثم قالت
لقد رفض ثلاثة مقدمي رعاية محترفين.
عقدت حاجبي.
وماذا يعني