تركته أمه وهو في الخامسة... وبعد 11 عامًا وقف أمام القاضي وقال جملة أبكت الجميع!
يواجهونه من صعوبات.
وأشخاصًا كثيرًا ما يُساء فهمهم أو يُستبعدون قبل أن تُمنح لهم فرصة حقيقية.
كان أول شخص وظّفه مصطفى شابًا يُدعى سامر.
كنت أعرفه منذ سنوات طويلة.
فقد كان أحد تلاميذي في المدرسة.
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي وقفت فيه أمام الإدارة أدافع عنه بعدما قرروا فصله بحجة أنه كثير المشكلات وصعب التعامل.
لم يحاول أحد أن يفهمه.
كان الأسهل للجميع أن يتخلوا عنه.
لكن مصطفى رأى فيه شيئًا مختلفًا.
ربما لأنه عرف ذلك الشعور من قبل.
شعور أن يحكم الناس عليك قبل أن يعرفوك.
فمنحه فرصة.
ثم منحه وظيفة.
ثم منحه مستقبلًا جديدًا.
وبعد سنوات أصبح سامر من أكثر موظفي الشركة نجاحًا.
وكلما رأيتهما يعملان جنبًا إلى جنب، كنت أشعر أن مصطفى لم يكن يحاول رد الجميل لي وحدي.
بل كان يفعل مع الآخرين ما كنت أحاول فعله معه منذ طفولته.
كان يمنحهم فرصة قبل أن يحكم عليهم أحد.
ويمنحهم مكانًا آمنًا قبل أن يطلب منهم إثبات أنفسهم.
وربما لهذا السبب نجحت شركته.
لأنها بُنيت على شيء لم يجده كثيرون من قبل...
الفهم.
ومرت
وانتقل مصطفى إلى شقته الخاصة.
لم يكن الانتقال سهلًا عليه.
فهو لم يكن يحب التغييرات.
حتى تغيير مكان قطعة أثاث واحدة كان يزعجه أحيانًا.
وكان يحتاج إلى وقت طويل حتى يشعر بالأمان في أي مكان جديد.
لذلك كنت أقلق عليه أكثر مما أعترف به.
لكن مصطفى فاجأني مرة أخرى.
كما فعل طوال حياته.
تأقلم.
رتب حياته بطريقته الخاصة.
وصنع لنفسه عالمًا هادئًا يشبهه.
ومنذ ذلك الوقت أصبح يوم الثلاثاء يومنا المفضل.
كنت أزوره كل أسبوع حاملةً قدرًا من الحساء الذي أصنعه له بنفسي.
أطرق الباب.
فيفتح لي.
ثم أجد كل شيء مرتبًا كما يحب.
المقاعد في أماكنها.
الكتب في أماكنها.
والهدوء يملأ الشقة كلها.
وفي مطبخه، فوق الرف الأعلى الذي يمكن لأي زائر أن يراه، كان يقف ذلك الكوب البلاستيكي الأصفر.
قديمًا.
ومتشققًا.
وبعيدًا كل البعد عن الجمال.
لكن مصطفى لم يفكر يومًا في استبداله.
ذلك الكوب لم يكن مجرد كوب.
كان شاهدًا على الرحلة كلها.
على جلسات التأهيل.
وعلى الليالي الصعبة.
وعلى الأيام التي ظن فيها الناس أنه لن يتغير أبدًا.
وفي كل مرة أراه فوق ذلك الرف، أتذكر الطفل الصغير الذي كان يرفض أن يشرب الماء من أي شيء غيره.
الثلاثاء الماضي غادرت شقته كما أفعل دائمًا.
ركبت سيارتي.
وانطلقت عائدة إلى المنزل.
وبعد دقائق قليلة اهتز هاتفي معلنًا وصول رسالة.
كانت من مصطفى.
فتحتها عند أول إشارة.
ولم أجد فيها سوى كلمة واحدة
شكرًا.
ظللت أحدق فيها لعدة ثوانٍ.
ثم قرأتها مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وشعرت بشيء يضغط على صدري.
اضطررت إلى التوقف على جانب الطريق.
فلم أعد أرى الطريق بوضوح.
كانت الدموع تملأ عيني.
ليس بسبب الكلمة نفسها.
بل بسبب كل ما سبقها.
أحد عشر عامًا من المواعيد الطبية.
والجلسات العلاجية.
والليالي التي كنت أبقى فيها مستيقظة حتى ينام مطمئنًا.
أحد عشر عامًا من القلق والخوف والتساؤل إن كنت أفعل الشيء الصحيح.
أحد عشر عامًا كنت أتمنى خلالها شيئًا واحدًا فقط...
أن يكون بخير.
وها هو يجيبني أخيرًا.
بكلمة واحدة.
عندها فقط فهمت شيئًا لم أتعلمه في المدرسة.
ولم أجده في أي كتاب.
هؤلاء الأطفال الذين يتخلى عنهم الناس بسهولة
وليسوا أقل قدرة على الحب.
لكنهم يعبرون عنه بطريقة مختلفة.
وفي وقتهم الخاص.
إنهم يحتاجون إلى شخص لا يرحل.
شخصًا يبقى عندما يتأخر الكلام.
ويبقى عندما تبدو النتائج بعيدة.
ويبقى عندما لا يفهم الآخرون ما يحدث.
لأن بعض الأطفال لا يقولون ما يشعرون به فورًا.
لكنهم يتذكرون.
يتذكرون من أمسك بأيديهم.
ومن جلس إلى جوارهم.
ومن دافع عنهم.
ومن اختار البقاء.
وعندما يعودون أخيرًا ليقولوا شكرًا...
تدرك أن كل لحظة كانت تستحق.
وعندما أنظر اليوم إلى حياة مصطفى، أتذكر ذلك الطفل الصغير الذي تركته أمه يومًا على أرضية غرفة الضيوف يرتب سياراته في صف مستقيم.
أتذكر الهاتف الذي رن بعد يومين.
والصوت الذي قال
اتركيه عندك... لم أعد قادرة على تحمّل الأمر.
يومها ظنت سارة أنها تخلّصت من عبء.
أما أنا...
فلم أكن أعلم أن ذلك الطفل الذي تُرك خلفه سيصبح يومًا أغلى ما أملك.
ولم أكن أعلم أن السنوات التي ظننت أنني أُنقذه فيها...
كانت في الحقيقة السنوات التي كان هو يمنح حياتي فيها معنى.
وأحيانًا أفكر
شكرًا.
ثم أبتسم.
لأنني أدرك أن الرحلة كلّها...
كانت تستحق.