تركته أمه وهو في الخامسة... وبعد 11 عامًا وقف أمام القاضي وقال جملة أبكت الجميع!

لمحة نيوز

نظر مصطفى إلى سارة للمرة الأولى منذ دخلت قاعة المحكمة.
ثم حوّل بصره سريعًا نحو الشاشة.
كان واضحًا أنه لا يحتمل النظر إليها طويلًا.
شدّ الكوب الأصفر القديم بين يديه للحظات.
ثم قال بصوت خافت
هذا... ليس صحيح.
ساد الصمت في القاعة.
تقدّم نحو الشاشة بخطوات مترددة، ثم أوصل حاسوبه المحمول بها.
ظهرت أول وثيقة.
كانت إيصالات تزعم أن والدته أرسلت نفقات شهرية طوال السنوات الماضية.
أشار إليها بإصبعه وقال
تاريخها... لا يطابق تاريخ فتح الحساب.
ثم صمت.
كانت الكلمات القليلة تستنزف جهده.
أخذ نفسًا عميقًا.
وانتقل إلى الملف التالي.
ظهرت مجموعة من المستندات والتواقيع.
وقال
هذه أُعدّت في وقت متقارب... رغم أنها تدّعي أنها صادرة خلال سنوات مختلفة.
بدأ القاضي يتفحص الأوراق من جديد.
أما المحامي فاختفت الثقة من وجهه شيئًا فشيئًا.
تابع مصطفى عرض ملفاته.
تقارير المدرسة.
سجلات المراجعات الطبية.
إيصالات جلسات التأهيل.
استمارات التسجيل السنوية.
كلها تحمل اسمي باعتباري المسؤولة عنه.
وتمتد دون انقطاع عبر أحد عشر عامًا كاملة.
كنت أحتفظ بهذه الأوراق منذ طفولته داخل خزانة صغيرة في المنزل.
وبعد أن كبر، تولى مصطفى بنفسه أرشفتها وترتيبها إلكترونيًا بدقة مذهلة.
عندها وقفت المحامية هدى وقالت
سيدي القاضي، هذه مستندات رسمية صادرة من جهات مختلفة وعلى مدى سنوات طويلة، وهي تثبت بصورة واضحة من كان يتولى رعاية الفتى فعليًا.
هز القاضي رأسه وهو يقلب الأوراق أمامه.
أما مصطفى فكان يتنفس بصعوبة.
كانت القاعة

مزدحمة.
الأصوات كثيرة.
والأضواء ساطعة.
رأيت أصابعه ترتجف فوق حافة الطاولة.
وكان يهز قدمه بعصبية خفيفة تحت المقعد، وهي عادة يفعلها كلما شعر بالتوتر الشديد.
لكنه لم يتراجع.
فتح مجلدًا أخيرًا.
ولم تكن بداخله أي وثائق.
بل صور.
مئات الصور.
ظهرت أول صورة على الشاشة.
كنت أجلس بجانبه في إحدى جلسات التأهيل.
ثم صورة أخرى.
في اليوم الذي نطق فيه كلمة ماء لأول مرة.
ثم صورة ثالثة.
في أول يوم دراسي له.
ثم أخرى.
في عيد ميلاده.
ثم أخرى.
في المستشفى.
ثم أخرى.
في المنزل.
وفي كل مرحلة من حياته كنت هناك.
وفي معظم الصور ظهر ذلك الكوب الأصفر القديم الذي لم يفارقه يومًا.
شعرت بغصة تخنقني.
أما مصطفى فظل ينظر إلى الشاشة.
لا إلى والدته.
ولا إلى القاضي.
ولا إلى أحد.
ثم قال بعد صمت طويل
لا أملك أي ذكرى حقيقية مع أمي.
ساد الصمت في القاعة.
ورأيت سارة تشحب ملامحها فجأة.
أما مصطفى فشدّ الكوب الأصفر بين يديه وكأنه يتمسك بشيء مألوف وسط ذلك الضجيج المرهق.
ثم أضاف بصوت خافت
لا أتذكر أنها زارتني.
وتوقف لثوانٍ.
لا أتذكر أنها اتصلت.
ابتلع ريقه بصعوبة.
كانت الكلمات تخرج منه ببطء شديد.
ثم قال
لكنني أتذكر جدتي.
ظهرت صورة جديدة على الشاشة.
كنت أجلس بجانبه في المستشفى.
ثم أخرى في المدرسة.
ثم أخرى في المنزل.
أحد عشر عامًا كاملة.
في كل صورة كنت هناك.
أما سارة...
فلم تظهر في أي واحدة منها.
رفع مصطفى عينيه نحو القاضي.
وللمرة الأولى منذ بدأت الجلسة نظر مباشرة إلى شخص آخر.
بدا وكأن هذه الثواني القليلة
تستنزف كل طاقته.
ثم قال
عندما احتجت إلى شخص... كانت هي موجودة.
وعندها خيم الصمت على قاعة المحكمة بأكملها.
لقد احتفظ بكل شيء.
كل شيء.
الصور.
التقارير الطبية.
سجلات المدرسة.
إيصالات العلاج.
كل ورقة تخص حياته منذ كان طفلًا صغيرًا.
فمصطفى كان يتذكر التفاصيل بطريقته الخاصة.
وكان يشعر بالطمأنينة عندما تبقى الأشياء في أماكنها المعروفة.
ولهذا كان يحتفظ بكل شيء.
وكأنه يخشى أن يضيع أي جزء من قصته.
وفي تلك اللحظة تذكرت السنوات التي كان ينهار فيها كلما جاء الشهر الذي تركته فيه أمه.
تذكرت ليالي الأرق.
وفقدان شهيته.
وخوفه الذي لم يكن يعرف كيف يصفه بالكلمات.
يومها فقط فهمت أن الطفل الذي ظننته نسي ما حدث...
لم ينسه أبدًا.
كان جسده يتذكر دائمًا ما عجز لسانه عن قوله.
ثم استدار.
ولأول مرة منذ بداية الجلسة كلها، نظر إليّ مباشرة بدلًا من الشاشة.
وكان ذلك وحده كافيًا ليخبرني كم كان يبذل من جهد.
فالتواصل البصري لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة إليه يومًا.
وأشار نحو سارة وقال
هذه المرأة... أمي.
ثم سكت للحظة.
وأضاف
لكن جدتي هي التي بقيت.
التقط الكوب الأصفر من فوق الطاولة وسار نحوي.
ذلك الكوب الذي رافقه منذ طفولته.
والذي كان يمنحه شعورًا بالأمان كلما ازدحم العالم من حوله.
مصطفى لا يحب العناق.
ولا يحب أن يلمسه أحد دون أن يستعد لذلك.
وخلال أحد عشر عامًا تعلمت ألا ألمسه فجأة.
وألا أفرض عليه أي تواصل جسدي لا يريده.
لكن في ذلك اليوم...
وأمام الجميع داخل قاعة المحكمة...
مد يده نحوي.
وأمسك
يدي.
فقط أمسكها.
كانت تلك أبسط حركة يمكن أن يفعلها أي شخص.
لكنني كنت أعرف حجم الشجاعة التي احتاجها ليقوم بها.
عندها انهرت تمامًا.
ولم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة.
طوال أحد عشر عامًا كنت أعتقد أن مصطفى لم يسأل عن أمه لأنه لم يفهم ما حدث.
لكنني أدركت في ذلك اليوم أن الأمر لم يكن كذلك.
ربما لم يستطع التعبير عن مشاعره بالكلمات.
وربما لم يفهم كل ما جرى وهو في الخامسة من عمره.
لكنه عرف دائمًا من كان يعتني به كل صباح.
ومن كان يأخذه إلى الطبيب.
ومن بقي إلى جواره عندما كان خائفًا أو مرتبكًا.
عرف ذلك بطريقته الخاصة.
وبالنسبة إليه كان هذا أهم من أي تفسير آخر.
بعد ذلك جرت الأمور بسرعة.
رفض القاضي جميع الطلبات التي تقدمت بها سارة.
وثبّت حقي القانوني في رعاية مصطفى حتى بلوغه السن القانونية.
كما أمر بإحالة ملف المستندات إلى الجهات المختصة للتحقيق في شبهات التزوير وتقديم معلومات غير صحيحة للمحكمة.
انهارت سارة داخل قاعة المحكمة.
لكنها لم تبكِ من أجل مصطفى.
بل بكت من أجل نفسها.
ثم سارعت إلى إلقاء اللوم على محاميها، مدعيةً أنه هو من أعد تلك المستندات.
وفُتح تحقيق بشأن ما ورد في الملف.
وحتى آخر يوم، حاولت أن تجعلني أشعر بالذنب.
كانت تصر على أنني سرقت ابنها منها.
وأنني لم أمنحها فرصة.
لكنني رفضت ذلك تمامًا.
أنا لم أسرق منها شيئًا.
كل ما فعلته أنني بقيت...
في اليوم الذي قررت هي أن ترحل فيه.
أما مصطفى فقد استخدم جزءًا من الأموال التي حصل عليها من برنامجه لتأسيس شركة تقنية خاصة
به.
وأصبحت شركته تتولى مراجعة وتدقيق أنظمة الأمن السيبراني للمصارف والمؤسسات الكبرى.
وكان يحرص على توظيف أشخاص مصابين باضطراب طيف التوحّد.
أشخاص يعرف جيدًا ما
تم نسخ الرابط