قصة مدرس في العاصمة صنعاء

لمحة نيوز

الذي كان يجلس في الصف الأول دائمًا.

وسالت دموعه دون أن يشعر.

يمكنك توسيع هذا الجزء ليصبح أكثر تأثيرًا عاطفيًا هكذا:

ابتسم القاضي ابتسامة امتزج فيها الفرح بالحزن، ثم قال بصوت هادئ:

— نعم يا أستاذ محمد...

أنا ذلك الطالب.

أنا ذلك الطفل الذي كنت تراه كل صباح يحمل حقيبته القديمة ويجلس في المقعد الأول.

أنا الذي كنت تناديني باسمي أمام التلاميذ وتقول:

"اجتهد يا بني... سيكون لك شأن كبير يومًا ما."

أنا من سدد الدين.

ولو كنت أعلم منذ البداية أن صاحب القضية هو أنت، لما سمحت أصلًا أن تصل الشكوى إلى المحكمة.

شعر الأستاذ محمد وكأن الزمن عاد به عشرات السنين إلى الوراء.

عاد إلى تلك الفصول القديمة.

إلى السبورة الخضراء.

إلى المقاعد الخشبية البسيطة.

إلى وجوه التلاميذ الذين مروا في حياته ثم غابوا.

وفجأة تذكر ذلك الصبي النحيل الهادئ.

الذي كان يأتي مبكرًا كل صباح.

ويجلس في الصف الأول.

ويستمع لكل كلمة

وكأنها كنز.

بدأت دموع الأستاذ تنزل دون أن يشعر.

لم يستطع أن يتكلم.

أما القاضي فتابع حديثه وعيناه تلمعان بالدموع:

— يا أستاذ...

أنت لا تعلم ماذا فعلت معي.

في ذلك الوقت كنت ابن أسرة فقيرة جدًا.

وكان كثير من الناس يرون أن مستقبلي محدود.

بعضهم كان يسخر مني.

وبعضهم كان يقول إنني لن أصل إلى شيء.

لكن أنت كنت الوحيد الذي يراني بشكل مختلف.

كنت تقول لي دائمًا:

"لا تجعل ظروفك تقرّر مستقبلك."

وكنت تردد أمام زملائي:

"هذا الولد سيكون له شأن كبير."

كنت أول إنسان يجعلني أصدق أنني أستطيع النجاح.

وأول إنسان جعلني أرفع رأسي بثقة.

وأول من علمني أن الأحلام ليست للأغنياء فقط.

انفجر الأستاذ محمد بالبكاء.

وقال بصوت مرتجف:

— والله يا بني... لم أكن أتذكر أني قلت كل ذلك.

ابتسم القاضي وقال:

— أنت نسيته يا أستاذ...

لكنني لم أنسه يومًا.

هناك كلمات يقولها الإنسان وينساها بعد دقائق.

لكنها قد تعيش في قلب

شخص آخر عشرات السنين.

ثم أطرق القاضي رأسه قليلًا وأضاف:

— عندما تخرجت من كلية القانون كنت أبحث عنك.

وعندما أصبحت وكيل نيابة بحثت عنك.

وعندما أصبحت قاضيًا بحثت عنك مرة أخرى.

كنت أتمنى أن أراك وأقول لك:

لقد تحقق ما كنت تؤمن به.

لكن الأيام فرقت بيننا.

حتى جاء هذا اليوم.

نظر الأستاذ إليه بعينين دامعتين وقال:

— الحمد لله الذي أرانِي هذه اللحظة.

ثم ساد الصمت للحظات.

صمت جميل.

صمت مليء بالامتنان والذكريات.

وبعد انتهاء الغداء، أخرج القاضي ظرفًا صغيرًا من جيبه ووضعه أمام الأستاذ.

تراجع الأستاذ فورًا وقال:

— لا يا بني.

والله لا آخذ فلسًا واحدًا.

هز القاضي رأسه وقال:

— أقسم بالله أن هذا ليس صدقة.

ولا مساعدة.

ولا إحسانًا.

هذه قيمة حاجيات البيت فقط.

واعتبرها هدية من تلميذ يحب أستاذه.

رفض الأستاذ مرة أخرى.

لكن القاضي أمسك يده بكل احترام وقال:

— أرجوك يا أستاذ.

طوال عمري وأنا أحلم أن

أرد لك جزءًا صغيرًا مما قدمته لي.

دعني أشعر اليوم أنني وفيت بشيء من حقك.

ثم أخرج دفترًا صغيرًا وطلب عنوان منزله ورقم هاتفه.

وقال:

— من اليوم لن أسمح أن تنقطع أخبارك عني.

أنت لم تعلمني القراءة والكتابة فقط.

بل علمتني كيف أثق بنفسي.

وكيف أحترم الناس.

وكيف أتمسك بالأمل مهما كانت الظروف.

وما أنا عليه اليوم بعد فضل الله إلا ثمرة من ثمار ما زرعته فينا.

غادر الأستاذ محمد المطعم وقلبه ممتلئ بمشاعر لم يشعر بها منذ سنوات طويلة.

كان يمشي ببطء.

لكن خطواته كانت أخف من أي وقت مضى.

رفع رأسه إلى السماء وقال:

— الحمد لله.

ما زال الخير موجودًا.

وما زال الوفاء يعيش في بعض القلوب.

وفي طريق عودته إلى منزله، أدرك حقيقة لم يكن يفكر فيها من قبل:

أن المعلم قد يظن أحيانًا أن جهده ضاع.

وأن كلماته مرت دون أثر.

لكن الله يدخر له ثمارها في أماكن لا يتوقعها.

وربما تعود إليه بعد سنوات طويلة...

في لحظة يكون

فيها أحوج ما يكون إلى الأمل.

فازرع الخير دائمًا.

وقل الكلمة الطيبة دائمًا.

وأحسن إلى الناس ما استطعت.

فإن ما تزرعه اليوم في القلوب...

قد يعود إليك يومًا أجمل مما تتخيل.

 

 

 

 

تم نسخ الرابط