عاد من المستشفى ليجد ابنه قد سلّم فيلته للغرباء... لكن ما فعله بعدها قلب حياتهم جميعًا!
سأمسك بي الاثنان من ذراعي.
قاومت بكل ما أملك، لكن جسدي كان لا يزال ضعيفًا.
أمسكني خالد من جهة، وأمسكني سعد من الجهة الأخرى.
أما نورة، زوجة خالد، ففتحت الباب الخلفي لسيارتي الخاصة.
قلت بصوت مرتجف
لا يحق لكم فعل هذا... أنا والدك يا خالد.
لم ينظر إليّ.
حتى للحظة واحدة.
وقال ببرود
ولهذا السبب أفعل ما أفعله.
أخذوا هاتفي ومحفظتي.
وضعت نورة الأغراض داخل حقيبتها وأغلقتها بنقرة حادة، وكأنها تغلق خزنة مليئة بالأموال.
انطلقت السيارة مبتعدة عن الفيلا.
ومن خلف الزجاج رأيت كلبي برق واقفًا عند المدخل.
كان ينبح بجنون.
ويحاول اللحاق بنا.
في تلك اللحظة شعرت أنهم ينتزعون مني كل شيء أحببته يومًا.
المكان الذي أخذوني إليه كان يحمل اسمًا جميلًا على الورق.
دار الأمل للرعاية.
لكن لم يكن فيه أي شيء يوحي بالأمل.
كان يقع في أطراف المدينة، وسط ورش قديمة ومستودعات مهملة وشوارع متشققة.
المبنى رمادي باهت.
طلاؤه متقشر.
وتفوح منه رائحة مطهرات قديمة ورطوبة خانقة.
استقبلتنا ممرضة ضخمة الجسد دون أي ابتسامة.
قالت
حالة إدخال جديدة؟
سلمتها نورة ملفًا.
وقالت
نعم. أبو خالد العسيري.
يعاني من تشوش شديد.
عدواني أحيانًا.
ومعرض للهروب.
صرخت
كذب.
أنا مختطف.
اتصلوا بالشرطة.
لكن الممرضة لم ترمش حتى.
وقالت ببرود
هذا يحدث كثيرًا مع النزلاء الجدد.
أدخلوني إلى غرفة فيها أربع أسرّة.
كان هناك رجل مسن يبكي في زاوية الغرفة.
ورجل آخر يحدق في السقف بعينين فارغتين.
حاولت الكلام.
لكن عاملين أمسكاني بقوة.
صرخت
خالد!
انظر إليّ.
كان ابني يقف عند الباب يوقع الأوراق.
قلت
أنا والدك.
واصل التوقيع.
أما نورة فكانت تتفقد هاتفها.
وسعد يتثاءب وكأن الأمر لا يعنيه.
بعدها شعرت بإبرة تدخل ذراعي.
بدأت الغرفة تدور من حولي.
وآخر شيء رأيته قبل أن أغرق في الظلام...
كان خالد يغادر المكان دون أن يلتفت خلفه.
استيقظت وفمي جاف ورأسي
لم أكن أعلم إن كانت ساعات قد مرت أم أيام.
ساعة الحائط متوقفة.
وزر استدعاء الممرضة معطل.
وفي صينية الإفطار وجدت شوفانًا باردًا وقطعة خبز يعلوها العفن.
عندها فهمت الحقيقة المرعبة.
ابني لم يأتِ بي إلى مكان للعناية بي.
بل إلى مكان لينساني فيه.
خلال اليومين التاليين لم أفعل شيئًا سوى المراقبة.
كنت مقاولًا طوال حياتي.
والمقاول يتعلم كيف يراقب.
راقبت أماكن الكاميرات.
وراقبت الموظفين المهملين.
وراقبت أوقات تبديل المناوبات.
وراقبت نافذة غرفة أدوات النظافة.
كانت قديمة ومهترئة.
ومساميرها مطلية مرات كثيرة حتى بدت جزءًا من الإطار.
وهناك تعرفت على شاب يعمل في النظافة اسمه فهد.
كان في منتصف العشرينات تقريبًا.
بعينين متعبتين ويدين تدلان على أنه يعمل أكثر مما ينام.
وفي إحدى الليالي رأيته يستخدم هاتفه سرًا أسفل الكاميرا.
همست له
لن أبلغ عنك إذا ساعدتني في أمر.
ارتبك فورًا.
وقال
لا تدخلني في مشاكل يا عم.
قلت
أحتاج مكالمة واحدة فقط.
هز رأسه.
لا أستطيع.
مددت يدي نحو كاحلي.
لم يكن أحد يعلم أنني أخفي هناك ساعة قديمة ورثتها عن والدي.
ساعة رافقتني في أكبر المشاريع والعقود التي أبرمتها في حياتي.
كانت ثمينة جدًا.
لكنها في تلك اللحظة لم تكن أغلى من عشر دقائق مع هاتف.
أعطيته الساعة.
ابتلع ريقه.
وسأل
من ستتصل به؟
قلت
بالشخص الوحيد القادر على جعل ابني يرتجف خوفًا.
ولم أتصل بالشرطة أولًا.
اتصلت بالبنك.
كنت أريد معرفة حجم الكارثة.
أكد النظام هويتي.
ثم بدأ بقراءة الأرصدة.
الحساب الجاري صفر.
حساب الادخار صفر.
الصندوق الاستثماري صفر.
شعرت وكأن الأرض انهارت من تحتي.
مئات الآلاف من الريالات.
ثم ملايين جمعتها خلال سنوات طويلة.
تم تحويلها إلى شركة يملكها خالد.
وحساب مرتبط بسعد.
اختفت كلها.
وفي الليلة نفسها سمعت مكالمة من مكتب التمريض.
كان خالد يتحدث مع المشرفة.
قالت له
الدواء الذي
بدونه ستجعله المهدئات هادئًا لكنه لن يتحسن.
ساد صمت قصير.
وأغمضت عيني.
كنت أنتظر أن أكتشف أن في قلب ابني بقية رحمة.
لكن خالد قال
لا تشتروا الدواء.
إذا استعاد وعيه الكامل فسيصبح مشكلة.
أبقوه نائمًا.
هذا أفضل للجميع.
في تلك اللحظة مات آخر جزء ساذج من الأب الذي بداخلي.
لم أعد أريد اعتذارًا.
كنت أريد عدالة.
في تلك الليلة هربت.
استخدمت ملعقة حادة لفك مسامير نافذة غرفة النظافة.
جرحت يدي.
وخدشت أضلعي.
وسقطت فوق أرض رطبة.
ثم تسلقت السور بصعوبة.
مشيت ساعات طويلة في الشوارع المظلمة.
مختبئًا من الدوريات.
لأنني كنت أعلم أنهم إن وجدوني بلا أوراق ثبوتية فقد يعيدونني إلى ذلك المكان.
مع شروق الشمس وصلت إلى محطة وقود.
كاد العامل يضغط زر الإنذار عندما رآني.
رجل عجوز متسخ وملطخ بالدماء ويرتدي ملابس عامل نظافة.
قلت له
أرجوك... أحتاج مكالمة واحدة فقط.
طلبت الرقم من الذاكرة.
جاءني صوت ناعس
نعم؟
قلت
أمل... أنا أبو خالد.
كانت أمل الرويلي.
ابنة شريكي القديم.
وأصبحت اليوم محامية شرسة يعرفها الجميع.
استيقظت فورًا.
وقالت بصدمة
أبو خالد؟ أين أنت؟
خالد أخبر الجميع أنك ما زلت في غيبوبة.
قلت
هربت.
وسرقوا كل شيء.
قالت فورًا
لا تتحرك من مكانك.
أنا قادمة.
بعد عشرين دقيقة وصلت بسيارة بيضاء.
شعرها مرفوع بسرعة.
وعيناها مشتعلة بالغضب.
رأتني جالسًا على الأرض.
فجثت أمامي وأمسكت يدي.
وقالت
من فعل بك هذا؟
نظرت إليها.
ثم قلت
ابني.
اشتد فكها غضبًا.
وقالت
إذن حان الوقت ليتعلم ماذا يحدث عندما يخلط الابن بين الميراث والغنيمة.
عشت ثلاثة أيام كاملة مختبئًا في منزل الضيافة التابع لأمل.
خلال تلك الأيام لم تهدأ دقيقة واحدة.
قدمت اعتراضات قانونية.
وقدمت بلاغات رسمية.
وطلبات إيقاف عاجلة.
وكل ما يمكن تقديمه لحمايتي واستعادة حقوقي.
لكن القضاء يحتاج إلى وقت.
أما
كنت أحتاج إلى الأدلة.
ولهذا السبب عدت إلى الفيلا.
لم أدخل من البوابة الرئيسية.
كنت أعرف هذا المكان أكثر مما أعرف كف يدي.
دخلت من الجهة الخلفية.
متسللًا بين أشجار الجهنمية والنخيل.
واختبأت خلف الشجيرات.
ثم رأيت مشهدًا كاد يجعلني أصرخ من شدة الغضب.
كان سعد يقيم حفلة شواء داخل حديقتي.
مخمورًا ومترنحًا.
ويستخدم أدواتي الخاصة لتحطيم أثاث قديم.
كان يحرق كراسي جدي الخشبية العتيقة لأنه لا يريد شراء الفحم.
أما زوجته أم نورة فكانت تتجول في الحديقة مرتدية العباءة الزرقاء الخاصة بأم خالد.
وقد تلطخت ببقع المشروبات.
بعدها سمعت نورة تتحدث مع والدتها في الشرفة.
قالت بثقة
الفيلا تساوي أكثر من ثلاثين مليون ريال.
لن نبيعها.
سنحصل على تمويل بضمانها.
وخالد سيوقع على كل شيء.
نأخذ المال.
ونسافر إلى أوروبا.
ونشتري سيارة جديدة.
ونتركه يغرق في الديون.
سألتها والدتها
وأبو خالد؟
ضحكت نورة بخفة.
وقالت
ذلك العجوز لن يخرج من دار الرعاية.
وحتى لو خرج فلن يصدقه أحد.
كنت أسجل كل كلمة.
وكل صوت.
وكل ضحكة.
عندما استمعت أمل إلى التسجيل ابتسمت للمرة الأولى.
وقالت
بهذا نستطيع إسقاطهم جميعًا.
لكنني لم أكن أريد إسقاطهم فقط.
كنت أريد استعادة ما سرقوه.
وعندها وضعت أمل خطة ذكية جدًا.
خطة لا تعتمد على الصراخ.
بل على الأوراق.
والقوانين.
والتوقيعات.
اكتشفت أن خالد ونورة كانا يحاولان إنهاء بعض الإجراءات المالية للحصول على تمويل جديد بضمان الفيلا.
وكانا يعتقدان أن هناك التزامًا ماليًا قديمًا مرتبطًا بشركة اسمها قمة الاستثمار.
لكن ما لم يعرفاه أن تلك الشركة كانت مملوكة لصندوق عائلي أنشأته قبل سنوات طويلة لحماية جزء من ثروتي.
جعلت أمل إشعارًا قانونيًا يصل إليهما بالطريقة النظامية.
وكانت الرسالة واضحة
إذا أرادا إتمام العملية المالية فعليهما تسديد التزام قائم أولًا.
ثلاثمائة
باع خالد قاربه.
ورهنَت نورة جزءًا من مجوهراتها.
ودفع سعد المال وهو يشتعل غضبًا.
وركض الجميع خلف الوهم كما تركض الفئران خلف قطعة جبن.
وعند الساعة الخامسة مساءً وصلت الحوالة.
ثلاثمائة ألف ريال.
عادت إليّ.
لم تكن كل أموالي.
لكنها