كنت فاكرة إنه مجرد زوج طيب... لحد ما اكتشفت السر اللي مخبيه بقاله سنين!
إيه؟
سكت شوية.
وكأنه بيرجع بالذاكرة سنين طويلة لورا.
وبعدين قال
إنها كانت دايمًا تحسسنا إننا أغنى ناس في الدنيا.
ضحكت.
وإنتوا كنتوا أغنيا فعلًا؟
هز راسه بالنفي.
وقال
بالعكس.
أوقات كتير مكانش معانا غير تمن الأكل بالعافية.
بس عمرها ما خلتنا نحس بالفقر.
كانت تقعد تضحك وتقول طول ما إحنا مع بعض يبقى إحنا أغنيا.
حسيت بدموعي بتقرب.
لأن بعض الناس فعلًا بيسيبوا أثر أكبر من أعمارهم.
ومع مرور الوقت بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل الناس بتحب كريم.
البواب.
والجيران.
وزمايله في الشغل.
وحتى الأطفال الصغيرين في الشارع.
وفي مرة سألته
إنت إزاي مصاحب نص البلد؟
ضحك.
وقال
مش مصاحبهم.
أومال؟
قال
بحاول أتعامل معاهم زي ما أحب الناس تتعامل معايا.
ببساطة شديدة.
من غير فلسفة.
من غير تنظير.
مجرد قاعدة بسيطة عاش بيها عمره كله.
وفي يوم حصل موقف عمري ما هنساه.
كنا في السوبر ماركت.
وكان فيه راجل واقف عند الكاشير.
واضح إنه محرج جدًا.
بطاقته اترفضت أكتر من مرة.
والناس بدأت تتضايق من التأخير.
الراجل وشه احمر من الإحراج.
وكان هيشيل حاجات من العربية عشان يدفع أقل.
قبل ما أفهم حاجة.
لقيت كريم طلع الكارت بتاعه.
ودفع الحساب كله.
الراجل فضل يبصله مصدوم.
وقال
يا أستاذ أنا معرفكش.
ابتسم كريم.
وقال
ولا أنا أعرفك.
أومال ليه؟
قال
عادي... اعتبرها هدية من ربنا.
ومشى.
بس.
كأنه معملش أي حاجة.
وأنا ماشية جنبه بعد ما خرجنا من المكان.
قلت
إنت ليه كده؟
ابتسم.
وقال
لأن الدنيا صعبة على ناس كتير يا سارة.
ويمكن النهارده دوره.
وبكرة يبقى دوري.
رجعنا البيت.
وقتها كنت ببصله بطريقة مختلفة.
لأول مرة فهمت إن الرحمة مش كلمة.
ولا منشور حلو على فيسبوك.
ولا نصيحة بنقولها للناس.
الرحمة أسلوب حياة.
اختيارات صغيرة.
تصرفات محدش بياخد باله منها.
مروحة اتحطت قدام باب حمام.
كلمة حلوة وقت التعب.
مساعدة لشخص غريب.
احتواء بدل لوم.
وصبر بدل غضب.
وحب بيتترجم لأفعال مش كلام.
وفي
افتكرت موقف الهدوم من جديد.
وضحكت بيني وبين نفسي.
أنا كنت فاكرة إني لما أغسل هدومه وأعطرها وأكويها هبقى أنا صاحبة الجميل.
لكن الحقيقة إن كريم من غير ما يقصد كان بيديني درس أكبر بكتير.
درس علمني إن أجمل العلاقات مش اللي فيها هدايا غالية.
ولا سفر.
ولا مفاجآت ضخمة.
أجمل العلاقات هي اللي فيها رحمة.
اللي فيها طرف بيشوف تعب الطرف التاني قبل ما يتكلم.
وبيساعده قبل ما يطلب.
وبيحتويه قبل ما يشتكي.
ساعتها فقط فهمت سر الراحة اللي كنت حاساها معاه من أول يوم.
وفهمت ليه كل سنة بتعدّي كانت بتخليني أحبه أكتر.
لأن الحب
وممكن يكبر بموقف.
لكن اللي بيخليه يعيش سنين طويلة فعلًا...
هو الرحمة.