كنت فاكرة إنه مجرد زوج طيب... لحد ما اكتشفت السر اللي مخبيه بقاله سنين!
وقفت لحظة وسألت نفسي
هو إزاي الإنسان ده كل يوم بيكبر في عيني أكتر؟
السر اللي كان كريم مخبيه بقاله سنين ظهر بالصدفة البحتة. ومكنتش أعرف وقتها إن الورق اللي هقراه بعد لحظات هيخليني أبص لكل موقف رحمة ولطف منه بطريقة مختلفة تمامًا.
عدّت الأيام بشكل طبيعي.
كريم زي ما هو.
بيصحى قبلي ويعمل القهوة.
يسيبلي رسالة صغيرة جنب الفنجان لو نزل الشغل بدري.
ولو رجعت من بره تعبانة يسبقني على المطبخ ويقولي
اقعدي إنتِ... أنا هعمل أي حاجة النهارده.
كنت دايمًا بعتبر ده طبع فيه.
إنه شخص هادي وطيب وخلاص.
لكن الحقيقة كانت أكبر من كده بكتير.
في يوم كنت بدور على ملف مهم وسط أوراق قديمة في الدولاب.
كريم كان في الشغل.
وأنا بقلب وسط الملفات لقيت ظرف أصفر قديم.
مكتوب عليه بخط إيد غريب
يُفتح عند الضرورة.
استغربت.
مكانش من عادتي أفتح حاجة تخصه.
لكن الظرف كان مفتوح أصلًا.
وكان جواه مجموعة أوراق.
أول ورقة كانت تقرير طبي.
وقفت مكاني.
قريت الاسم.
كريم.
وقريت التاريخ.
من حوالي سبع سنين.
قبل جوازنا بسنة تقريبًا.
بدأ قلبي يدق بسرعة.
وقريت السطر اللي تحت.
وكان كفيل يخليني أنسى أتنفس.
تم تشخيص المريض بفشل كلوي حاد في المرحلة المتقدمة.
وقعت الورقة من إيدي.
فضلت أبص عليها وكأني مش مصدقة اللي بقرأه.
كريم؟
فشل كلوي؟
إزاي؟
طول عمره قدامي طبيعي.
عمره ما اشتكى.
عمره ما قال كلمة.
عمره
كملت قراءة باقي الأوراق بإيد مرتعشة.
تحاليل.
تقارير.
مواعيد عمليات.
وأوراق تبرع.
لحد ما وصلت لورقة خلت الدموع تنزل من غير ما أحس.
ورقة مكتوب فيها اسم المتبرع بالكُلية.
والدة كريم.
أمه.
الست اللي ماتت قبل ما أعرفه بسنتين.
فضلت أبكي وأنا ماسكة الورقة.
بدأت أفهم.
بدأت أفهم ليه كريم كان دايمًا يقول
الصحة نعمة.
ما تزعلوش على الحاجات الصغيرة.
الدنيا أقصر من إننا نعيشها في خصام.
بدأت أفهم ليه كان رحيم بالشكل ده.
لأنه عرف معنى الوجع.
وعرف معنى إن الإنسان يفقد كل حاجة في لحظة.
رجع كريم من الشغل آخر النهار.
ولأول مرة من سنين شافني قاعدة مستنياه على الكنبة وعيوني حمرا.
بصلي بقلق.
وقال
مالك؟
مديتله الظرف.
اتغير وشه فجأة.
وسكت.
دقيقة كاملة.
ولا كلمة.
ولا حركة.
مجرد صمت.
بعدها قعد جنبي بهدوء.
وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
بكيت أكتر.
وقلت
ليه مخبيت عليا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
عشان أتجوزتك عشان أحبك... مش عشان تشفقي عليا.
مسحت دموعي.
بس دي حاجة كبيرة.
هز راسه.
عارف.
طب ليه عمرك ما حكيت؟
بص للسقف شوية.
وقال
لأن ربنا نجاني.
وأمي أنقذت حياتي.
وكنت حاسس إني لو فضلت أحكي عن المرض هفضل عايش جواه طول عمري.
سكت شوية.
وبعدين قال
أنا كنت بموت يا سارة.
الكلمة وقعت على قلبي كالصاعقة.
إيه؟
قال
الدكاترة وقتها كانوا بيقولوا إن الوقت بيجري.
وأمي
وفي يوم دخلت عليا وقالتلي لو احتاجت كليتي خدها.
بكيت أكتر.
أما هو فكان بيحكي بهدوء غريب.
كأنه بيحكي عن شخص تاني.
وقبل العملية بيوم قالتلي جملة عمري ما نسيتها.
سألته
قالت إيه؟
ابتسم.
ونزلت دمعة من عينه لأول مرة.
وقال
قالتلي يا كريم... لو ربنا كتبلك عمر جديد، اوعى تقضيه في زعل الناس.
سكت.
وأنا حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
وفجأة فهمت.
فهمت سر الرحمة.
فهمت سر الصبر.
فهمت ليه عمره ما كان يجرح حد.
ولا يكسر بخاطر حد.
ولا يعيّر حد بتقصير.
ولا يرد الإساءة بإساءة.
كان بينفذ وصية أمه.
كل يوم.
من غير ما حد يعرف.
في الليلة دي فضلت أبصله ساعات.
وهو قاعد يشرب الشاي قدامي.
نفس الشخص.
نفس الملامح.
نفس الضحكة.
لكن كأنه بقى شخص أكبر في عيني ألف مرة.
وفجأة افتكرت موقف المروحة.
وافتكرت مواقف كتير شبهه.
لما كنت أتعب.
لما أغلط.
لما أنسى.
لما أتوتر.
عمري ما سمعته يهينني.
ولا يقلل مني.
ولا يحسسني إني أقل منه.
كان دايمًا رحيم.
بس أنا مكنتش أعرف السبب.
بعدها بشهور قليلة حصل موقف عمري ما هنساه.
كنا ماشيين في الشارع.
ولقينا راجل كبير في السن واقع على الرصيف.
والناس كلها بتبص.
لكن محدش بيتحرك.
جريت أنا ناحية الراجل.
لكن كريم سبقني.
شاله بإيده.
وجابله مية.
واتصل بالإسعاف.
وفضل واقف جنبه أكتر من ساعة كاملة.
ولما رجعنا البيت سألته
ليه
ابتسم.
وقال
عشان في يوم من الأيام كان نفسي حد يعمل كده مع أمي.
سكتُّ.
وحسيت إن الكلمة عدّت على قلبي مرور السكين.
لأنها كانت أول مرة أفهم إن الإنسان أحيانًا بيعيش عمره كله وهو بيحاول يعوض وجع قديم محدش شايفه.
بصيت له.
كان قاعد عادي جدًا.
كأنه مقالش حاجة كبيرة.
لكن أنا كنت شايفة قدامي طفل صغير فقد إحساس الأمان بدري.
طفل شاف أمه بتتألم.
وشاف الخوف في عينيها.
وشافها وهي بتحارب عشان تفضل جنبه.
وقتها فقط بدأت أربط كل حاجة ببعضها.
كل مرة كان بيسامح فيها بسهولة.
كل مرة كان بيمتص غضبي وأنا متعصبة.
كل مرة كان يختار الهدوء بدل الخناق.
كل مرة كان يختار الاحتواء بدل اللوم.
كلها كانت امتدادًا لنفس الدرس اللي علمتهوله أمه.
بعدها بأيام كنت قاعدة معاه في البلكونة بعد العشا.
الجو كان لطيف.
والشارع هادي.
وفجأة سألته
إنت عمرك زعلت منّي؟
ضحك.
وقال
طبعًا.
استغربت.
بجد؟
هز راسه.
أنا بني آدم برضه.
أومال ليه عمرك ما بينت؟
بص قدامه شوية.
وقال
عشان كنت دايمًا بسأل نفسي سؤال.
إيه هو؟
قال
بعد سنة من دلوقتي... هيفرق الموقف ده أصلًا؟
سكت شوية.
وبعدين كمل
ولو الإجابة لأ... يبقى ليه أجرح اللي بحبه عشان حاجة هتنتهي بعد يومين؟
فضلت أبصله.
حاسّة إني بتعرف عليه من جديد.
بعد كل السنين دي.
في ليلة تانية كنا بنرتب صور قديمة.
ولقيت صورة لأمه.
كانت ست بسيطة
وشها كله طيبة.
ولبسة طرحة بسيطة.
لكن عينيها كان فيهم حنان غريب.
مسكت الصورة.
وقلت
نفسي كنت أعرفها.
ابتسم كريم.
بس المرة دي ابتسامته كانت مليانة اشتياق.
وقال
كانت هتحبك جدًا.
سألته
إنت أكتر حاجة فاكرها عنها