دفنت زوجي بيدي... ثم رأيته يمشي في شوارع بغداد بعد 5 أشهر!
فراشة... من الذي سمح لك بالخروج من المستشفى؟
لا أعرف ما الذي كان أكثر إيلامًا في تلك اللحظة.
أن أراه حيًا أمامي...
أم أن أسمع ذلك الاسم منه.
فراشة لم تكن كلمة عادية.
كانت اسمًا لا يعرفه أحد غيرنا.
لا أمي.
ولا أختي.
ولا الجارة التي كانت ترسل لي الطعام بعد العزاء.
وقفت على الرصيف وأنا أضم كيس الأغراض إلى صدري وكأنني أختبئ خلفه.
حسين... همست.
فتح عينيه وكأن صوتي نزع عنه القناع الذي كان يختبئ خلفه.
لا تقولي هذا الاسم هنا.
في تلك اللحظة فهمت.
لم يكن مشوشًا.
ولم يكن شبحًا.
ولم يكن حزني يخدع عقلي.
كان زوجي الميت يقف أمامي، يتوسل إليّ ألا أناديه باسمه في أحد شوارع بغداد.
كنت أريد أن أركض نحوه وأصفعه.
وكنت أريد أن أحتضنه.
وكنت أريد أن أسأله إن كان قد فقد عقله، أو إن كنت أنا أحلم، أو إن كان هناك تفسير واحد لا يجعلني أبدو كامرأة قضت خمسة أشهر تبكي أمام صورة رجل لم يكن ميتًا أصلًا.
لكنه نظر يمينًا ويسارًا في الشارع، ثم أمسك بذراعي وسحبني إلى داخل الباب القديم.
اتركني!
قال بصوت منخفض وحاد
اصمتي يا مريم... هناك من يراقبنا.
مريم.
لم أعد فراشة.
لم أعد زوجته.
أصبحت خطرًا عليه.
دخلنا بناية قديمة من تلك البنايات التي تشعر أن جدرانها تحتفظ بالرطوبة
كانت رائحة المكان خليطًا من الزيت المحترق، والملابس المنشورة، والرطوبة القديمة.
صعدنا درجًا ضيقًا إلى شقة في الطابق الثاني.
في الداخل كانت هناك طاولة.
وحقيبة سفر مفتوحة.
وسترة حسين معلقة على كرسي.
وركن صغير فيه مسبحة ونسخة من القرآن وعلبة بخور.
لكن هذا لم يكن بيتي.
وعلى الطاولة كانت هناك بطاقة هوية.
خطفتها قبل أن يتمكن من إخفائها.
لم يكن الاسم المكتوب عليها حسين الراوي.
كان الاسم
سيف الكاظمي.
لكن الصورة كانت صورته.
وجهه.
ندبته.
كذبته.
من أنت؟
أغلق حسين الباب بالمفتاح.
أنا الرجل نفسه.
لا. زوجي مات.
مريم، استمعي إليّ.
أنا أشعلت الشموع أمام صورتك! استلمت رمادك! وقّعت الأوراق! استقبلت المعزين! أمك كانت تمسك بي وأنا أبكي في المقبرة!
مسح وجهه بيديه.
كان عليّ أن أفعل ذلك.
ضحكت.
ضحكت بطريقة أخافتني أنا قبل أن تخيفه.
ما أسهل هذه الكلمة. اختفيت. وكأنك لم تترك وراءك أرملة. وكأنك لم تدفن حياتي كلها معك.
اقترب حسين خطوة.
أنتِ لا تعرفين في ماذا كنت متورطًا.
إذن اشرح. اشرح لي لماذا أعطاني المستشفى شهادة وفاة. اشرح لي لماذا أُرسلت الجثة في تابوت مغلق. اشرح لي لماذا قالت أمك إن الأفضل أن أتذكرك كما كنت، وألا أراك للمرة الأخيرة.
صمته أجابني قبل أن يتكلم.
حماتي.
طبعًا.
نفس المرأة التي أمسكت كتفي يوم العزاء وأنا أنهار فوق التابوت.
نفس المرأة التي قالت لي
يا ابنتي، ارتاحي... سأهتم أنا بالأوراق. الأم تعرف كيف تتصرف في مثل هذه المواقف.
قلت بصوت مكسور
كانت تعرف.
خفض حسين عينيه.
أمي ساعدتني.
شعرت بغثيان عميق يصعد من معدتي إلى حلقي.
ومن كان داخل التابوت؟
لا تسألي.
من كان؟
رجل لا عائلة له. لم يسأل عنه أحد.
تراجعت حتى اصطدم ظهري بالحائط.
وضعت يدي على فمي.
وفي الخارج استمرت بغداد في الحركة وكأن شيئًا لم يحدث.
حافلة تمر.
وبائع ينادي.
وسيارة تطلق بوقها بلا توقف.
أما أنا فكنت أكتشف أنني قضيت أشهرًا أبكي على غريب.
أنت وحش.
أنتِ لا تفهمين. كنت مديونًا بالكثير من المال. لأشخاص خطرين. ولو بقيت، لكانوا قد آذونا.
آذونا؟ وأين كان نحن عندما تركتني وحدي أمام صورتك؟
كنت أحميكِ أيضًا.
لا. لقد استخدمتني.
قسَت ملامحه فجأة.
أنتِ دائمًا تبالغين في كل شيء.
وهنا ظهر حسين الحقيقي.
ليس الرجل الحنون الذي كنت أراه في الصورة.
وليس الزوج الذي كان يحب الكبة والخروج ليلًا.
بل الرجل الذي كان كلما طرحت عليه أسئلة كثيرة، يجعلني أشعر أنني أبالغ حتى أجد نفسي أعتذر له في النهاية.
نظرت إلى حقيبة
كانت تحتوي على ملابس رجالية.
ورزم من المال.
وجواز سفر.
وملف يحمل اسمي.
تحرك جسدي قبل أن يفكر عقلي.
أمسكت الملف.
حاول حسين أن ينتزعه من يدي.
لا.
ركضت نحو الطاولة وفتحته.
وفي الداخل وجدت نسخًا من بطاقتي الوطنية، ومستندات تخص حساباتي، وكشوفات مصرفية، وعقد الزواج، وطلب إدخال إلى مصحة نفسية خاصة.
كان هناك توقيع في أسفل الورقة.
لكنه لم يكن توقيعي.
شعرت وكأن الجدران تضيق حولي.
ما هذا؟
وقف حسين بلا حركة.
مريم...
هل كنت تنوي إدخالي إلى مصحة نفسية؟
لم يجب.
قرأت الورقة ويداي ترتجفان
المريضة تعاني من حزن مرضي شديد، وهلوسات بصرية متكررة، وتشكل خطرًا على نفسها، وتصر على أنها رأت زوجها المتوفى حيًا.
انهارت ساقاي.
وفهمت أخيرًا سؤاله عند الباب.
من الذي سمح لك بالخروج من المستشفى؟
لم يكن سؤال دهشة.
كان جزءًا من خطة.
همست
أنت كنت تريدني أن أراك.
ابتلع ريقه بصعوبة.
قلت وأنا أحدق فيه
كنت تريدني أن أخبر الناس أنني رأيت زوجي الميت يسير في الشارع... حتى يصدق الجميع أنني فقدت عقلي.
قال بصوت منخفض
فقط إذا اضطررت إلى ذلك.
اضطررت؟ ولماذا؟
نظر إلى الملف.
ثم قال
التأمين. البيت. حساباتك. كنت بحاجة إلى مزيد من الوقت.
اقتربت منه ببطء.
أخبرني بالحقيقة
ليس من مصلحتك أن تعرفي.
حسين، أنا أصلًا أعيش في الجحيم. لا تحاول أن تخيفني بحرارته.
لأول مرة رأيت الخوف على وجهه.
أخرج هاتفه